Monday, 15 September 2014

الإثبات بالقرائن والإمارات المستجدة

الملخص
الإثبات في المعاملات المدنية و الجنائية من أهم الدعامات التي يقوم عليها القضاء تحقيقاً للعدل و حماية للحقوق و صوناً للمجتمع من الإعتداء عليهما.
و لما كانت القرائن من وسائل الإثبات المتنوعة من حيث مصدرها و حجيتها، كما أنها متطورة حسب ظروف الزمان و المكان و لها أهمية كبيرة في الاثبات، فلقد اقتضى ذلك أن أتناول القرائن المستجدة مثل البصمة الوراثية و تحليل الدم و الآثار و غيرها من المستجدات في هذا المجال بالإضافة إلى القرائن المعروفة لدى السلف سابقاً كاللوث و القيافة لبيان مدى حجيتها في المعاملات المدنية و الجنائية.


Abstract

Proof in civil and criminal transactions of the most important pillars on which the judiciary is based in order to achieve justice and protect the rights and safeguard the community from attacking them. 

Whereas the presumptions are of the tools of diverse proof in terms of its source and deposited,  are advanced by according the circumstances of time and place and of great importance in the proof,  it requires form me to handle the emerging presumptions; such as congenital imprint, blood analysis and following marks and other developments in this area, in addition to the evidence previously known to al-salaf; such as concealing and physiognomy, in order to demonstrate the weight of range of its cogency in civil and criminal transactions.




______________________________________


بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة:
   الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم واتبع هديهم بإحسان إلى يوم الدين.
    أما بعد:

    فإن الإثبات في المعاملات المدنية والجنايات يعتبر من أهم الدعامات التي يقوم عليها القضاء تحقيقاً للعدل وحماية للحقوق وصوناً للمجتمع من الاعتداء عليهما ولهذا فإن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة قد أرسيا قواعد العدل وأصول التقاضي وقواعد الإثبات؛ ففي الأحاديث النبوية الشريفة التالية إرساء لقاعدة من قواعد العدالة التي توجب الحكم والقضاء بالبينات ومن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى أُنَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ»(1).
    وقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مثلكم، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلاَ يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»(2).
وبخلاف هذه القاعدة يكون أكل أموال الناس بالباطل الذي حذر الله تعالى المؤمنين منه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ}(3).





     ([1]) البخاري، محمد بن اسماعيل، صحيح البخاري، تحقيق زهير بن ناصر، دار طوق النجاة، ط1، 1422هـ، كتاب الاحكام،

ج6ص35، النووي، ابو زكريا يحيى بن شرف، المنهاج شرح صحيح مسلم، دار احياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1392هـ، 

كتاب الأقضية ج12ص2.

([2]) صحيح البخاري، باب موعظة الإمام، ج9ص69، وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الأقضية، ج12ص4.

     ([3]) سورة النساء: 29.

                          
                   --------------------------

وقد فرقت الشريعة الإسلامية في الإثبات بين المعاملات المالية والجنايات، ففي المعاملات المالية وسعت دائرة الإثبات، وآية الدين دليل واضح على التوسع في المعاملات المالية قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم}(1).
    أما في الجنايات فإن الحدود والقصاص لا تقام إلا بالإقرار أو البينة بصفة عامة وسائر المعاصي التي توجب تعزيراً فيجوز الحكم فيها بالقرائن بالإضافة إلى الإقرار والبينة، ولما كانت القرائن متنوعة من حيث مصدرها وحجيتها ومتطورة حسب ظروف الزمان والمكان فإنه لا يمكن الاستغناء عنها لإقامة العدل والفصل في الخصومات، فاقتضى أن يتم تناولها والحديث عنها بين الحين والحين لمواكبة كل جديد. ولهذا فإنه لا يضير الباحثين القول بأن القرائن قد تناولها السلف والخلف بالبحث والبيان لأن الأمر لا زال في حاجة لدراسة حسب المستجدات العلمية والعملية وقد جاء هذا البحث ليلقي الضوء على جانب من جوانب الموضوع.





([1]) سورة البقرة آية 282.

                 --------------------------
  
اهمية البحث:
    يبرز هذا البحث بعض انواع القرائن القديمة والمستجدة والتي قد يثار حولها جدل في الاوساط القضائية، ولما كان موضوع القرائن من المواضيع المهمة لما يقتضيه من حفظ الحقوق ورد المظالم الى اهلها، كان لا بد من البحث في مشروعية هذه القرائن خاصة المستجدة منها والتي لم تتناولها الابحاث والجهود العلمية بعمق لازالة ما اعتراها من لبس وابهام وغبار وتوضيح صورها.

مشكلة البحث وهدفه:
    بعد التطور المشهود في شتى انواع العلوم والاثر الواضح الذي اضفاه ذلك التطور، لم تسلم ميادين القضاء ومتعلقاتها من آثار هذا التطور والذي تمثل في جانب من جوانبها بموضوع القرائن كالبصمة الوراثية والصور الفوتوغرافية والتسجيل وتحليل الدم والتنويم المغناطيسي وغيرها، فحاولت في هذا البحث الاجابة عن الاسئلة التالية:
1.    ما المقصود بالقرائن شرعا وقانونا، وما هي انواعها ومدى مشروعيتها وشروط العمل بها.
2.    ما هي القرائن التي كانت معروفة في العصور الاسلامية السابقة ومشروعية كل منها.
3.    ما هي القرائن المستجدة في العصر الحاضر وما مدى مشروعية كل منها.


منهجية البحث:
    اتبعت في هذا البحث منهجا استقرائيا لآراء الفقهاء في القرائن التي كانت معروفة في العصور الاسلامية، وقمت بتحليلها بحليلا يساعد على الفهم الفقهي الدقيق لمدى حجية هذه القرائن والاسباب الداعية لاعتبار حجيتها, وذلك من خلال الادلة الورادة في حجيتها ومحاولة اسقاط ذلك الفهم الفقهي على القرائن التي استحدثت واستجدت في العصر الحالي، مراعيا في ذلك مبادئ العدل والعدالة ومقاصد الشريعة التي من شأن تلك القرائن تحقيقها.

خطة البحث:
    وخدمة للموضوع فقد ارتأيت أن اقسم البحث على النحو التالي:
التمهيد: في تعريف الإثبات وبيان طرقه.
المبحث الأول: في مفهوم القرينة ومشروعيتها وشروط العمل بها وأقسامها.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول في تعريف القرينة ومشروعيتها وشروط العمل بها.
والمطلب الثاني في أقسام القرائن في الفقه والقانون.

المبحث الثاني: في القرائن المعروفة في العصور الإسلامية.
       وفيه:
المطلب الأول: في قرينة القيافة.
المطلب الثاني: في قرينة الفراسة.
المطلب الثالث: في قرينة اللوث (القسامة).
المطلب الرابع: في قرينة الكتابة والإشارة.

المبحث الثالث: في القرائن المستجدة في العصر الحاضر.
وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: في التسجيل والتصوير
المطلب الثاني: في تحليل الدم والآثار
المطلب الثالث: في جهاز كشف الكذب
المطلب الرابع: في التنويم المغناطيسي
المطلب الخامس: في العقاقير المخدرة
المطلب السادس: في غسيل الدماغ
المطلب السابع: في الكلاب البوليسية
المطلب الثامن: في البصمة الوراثية
    ثم ختمت البحث بالتوصيات والمراجع ثم الفهرس.
            ------------------------

تمهيد: في مفهوم الإثبات وطرقه عند فقهاء الشريعة
  
الإثبات في اللغة: الدوام والاستقرار، نقول ثبت الشيء يثبت ثباتاً وثبوتاً أي دام واستقر فهو ثابت، وتثبت في الأمر تأنى فيه ولم يعجل. وثبت فلان على موقفه، لم يتراجع، ومنه قوله تعالى: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ}(1) وتثبيت الفؤاد، تسكين القلب.
 وإثبات الحق تأكيده بالحجة والدليل قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِت} (3)(2).

 الإثبات في الاصطلاح: إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددتها الشريعة على حق أو واقعة معينة تترتب عليها آثار، وبعضهم من عرفها بقوله: إقامة الدليل أمام القضاء(4).
    لقد اهتم الفقهاء ببحث طرق الإثبات إلا أنهم اختلفوا في بيانها فمنهم من رأى أنها تنحصر في البينة والإقرار واليمين، والنكول والقسامة وعلم القاضي، ومنهم من حصرها في اليمين والشهادة، ومنهم من زاد على ما سبق القرينة القاطعة(5). وعليه فإنه لا مجال أمام القاضي إلا أن يحكم بها فقط دون غيرها.
    ورأى فريق(6) آخر أن دليل الحق ليس محدداً ومحصوراً، فالبينة التي نصت عليها الشريعة هي كل ما يظهر الحق وكان معنى البينة يشمله(7).
    وممن يرى هذا الرأي شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه وابن القيم، يقول ابن القيم (إذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له). ويقول (البينة اسم لكل ما يبين الحق، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟» وقول عمر بن الخطاب (والبينة على المدعى) المراد بذلك ما يبين الحق من شهود أو أدلة فإن الشارع في جميع المواضع يقصد ظهور الحق مما يمكن ظهوره به في ظهور الحق أو رجحانه عليه ترجيحاً لا يمكن جحده ودفعه كترجيح شاهد الحال على مجرد اليد في صورة من على رأسه عمامة وبيده عمامة وآخر خلفه مكشوف الرأس... فالشارع لا يهمل مثل هذه البينة والدلالة ويضيع حقاً يعلم كل أحد ظهوره)(8).
    ورغم هذا التباين فإن الفقه الجنائي الإسلامي اشترط في الدليل أن تتوافر فيه شروط الصحة واليقين بما يجعل القاضي يقتنع بمطابقة الدليل للحقيقة.
ويستفاد مما سبق أن العمل بالقرائن غير النصية (المستنبطة والقضائية) هل محل خلاف بين الفقهاء، وسنتناول في المطلب الأول مفهوم القرينة ومشروعيتها وشروط العمل بها.
    وفي المطلب الثاني أقسام القرائن في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي.




([1]) سورة هود: 120.

([2]) سورة إبراهيم: 27.

([3]) ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ج2ص19.

([4]) موسوعة عبد الناصر للفقه الإسلامي، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، (2ج/ص136)، فراج، احمد، أدلة الإثبات في

 الفقه الإسلامي، دار الجامعة الجديدة، الاسكندرية، ص27.

([5]) من أصحاب هذا الرأي جمهور الفقهاء وابن حزم على اختلاف بينهم فيما يعتد به. انظر ابن عابدين، حاشية ابن عابدين، دار 

الحلبي، سنة 1386هـ، ج5ص354.

([6]) ذهب إلى هذا الرأي ابن تيمية وابن القيم، انظر ابن القيم، ابو عبدالله شمس الدين محمد بن ابي بكر، الطرق الحكمية في السياسة 

الشرعية، تحقيق محمد جميل غازي، مكتبة المدني، سنة 1977م، ص16.

([7]) البهي، احمد عبد المنعم، من طرق الإثبات في الشريعة والقانون، دار الفكر العربي، ط1، سنة 1965م، ص13.

([8]) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم، ص4.

                   --------------------------



المبحث الأول: مفهوم القرينة ومشروعيتها وشروط العمل بها وأقسامها

المطلب الأول: مفهوم القرينة ومشروعيتها وشروط العمل بها
أولاً: تعريف القرينة:
القرينة في اللغة: القرينة مفرد قرائن، والقرين الصاحب، قارن الشيء بالشيء، اقترن به وصاحبه، ومنه قوله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِين}(1). وقرينة الرجل: امرأته لمقارنته إياها، والتقارن بين الشيئين يعني الملازمة والاقتران، ويطلق لفظ القرينة على النفس لاقترانها بصاحبها، قال تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِين}(2).
    والقرينة: أمر يشير إلى المقصود أو يدل على الشيء من غير الاستعمال فيه(3).

   القرينة في الاصطلاح: عرفها فقهاء الشريعة بتعريفات منها:
   عرفتها مجلة الأحكام العدلية في المادة (1741) بأنها الأمارة البالغة حد اليقين.
    ويؤخذ على تعريف المجلة بأنه غير جامع لأنواع القرائن فقد عرف القرينة القاطعة    دون غيرها، علماً بأن هناك الكثير من القرائن منها ما هو قاطع في الإثبات ومنها ما    هو دون ذلك، ولذا فهو غير شامل لجميع أنواع القرائن(4).
    وعرفها الأستاذ الزرقا بأنها (كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً وتدل عليه)(5).
    وعرفها د. أنور العمروسي بأنها استنباط مجهول من معلوم(6) ويلاحظ أن هذه التعريفات فيها شيء من الإجمال.
    وعرفها د. فتح الله زيد بأنها: الأمارة التي نص عليها الشارع أو استنبطها أئمة الاجتهاد أو استنتجها القاضي من الحادثة وظروفها وما يكتنفها من أحوال(7).
    وعرفها فقهاء القانون بأنها: استنباط أمر غير ثابت من أمر ثابت بناء على الغالب من الأحوال(8).
    وعرفها آخرون بأنها: استنباط الشارع أو القاضي لأمر مجهول من أمر معلوم(9).
    ويفهم من هذا التعريف أن الاستنباط للقرينة إذا كان من قبل المشرع فالقرينة قانونية وإذا تم من قبل القاضي فالقرينة قضائية.
    ويستخلص من التعريفات السابقة كلها أن القرائن أدلة إثبات غير مباشرة تقوم على أساس استنتاج واستنباط واقعة مجهولة عن طريق واقعة معلومة، وهذه المهمة قد يتولاها المشرع وقد تترك لتقدير القاضي(10).
    والمناسبة بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي أن الأمارات والشواهد التي نص عليها المشرع أو استنبطها القاضي من الواقعة المعروضة عليه المسماة بالقرائن لها اتصال بما يستدل بها عليه لمجرد المقارنة والمصاحبة(11).



([1]) سورة الزخرف: 36.

([2]) سورة الصافات: 51.

([3]) ابن منظور: لسان العرب (13/336).

([4]) عابد، عبد الحافظ، الإثبات الجنائي بالقرائن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 2003م، ص100.

([5]) الزرقا، مصطفى، المدخل الفقهي العام، دار القلم، دمشق، ط1، 1998، (2/904).

([6]) العمروسي، انور، أصول المرافعات الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية، دار الطباعة الراقية، ط7، (ص907).

([7])  فتح الله، فتح الله زيد، حجية القرائن في القانون والشريعة، رسالة دكتوراه، ص7.

([8]) مرقس، سليمان، أصول الإثبات وإجراءاته في المواد المدنية في القانون المصري، عالم الكتب، القاهرة، 1981، (ج2/ص84).

([9])  فرج، توفيق حسن، قواعد الإثبات في المواد المدنية والتجارية، مؤسسة الثقافة الجامعية، الاسكندرية، 1985، (ص120).

([10]) الجعافرة، عماد، أدلة الإثبات بالقرائن في القانون المدني، رسالة ماجستير في الجامعة الاردنية، باشراف الدكتور وليد 

القسوس، 1998، ص13.

([11]) دبور، انور، القرائن ودورها في الإثبات الجنائي الإسلامي ، دار الثقافة العربية، القاهرة، 1985، ص78.

                   --------------------------

  أما الدلائل والأمارات فهي:
  وقائع مادية خارجية أو سيكولوجية يستدل منها على قبول شبهة لقيام الاتهام عن واقعة مخالفة للقانون(1).
  ومن الدلائل أو الأمارات محاولة المتهم الهروب لدى مشاهدته رجل الضبط على قارعة الطريق، إنما تتحقق به الدلائل المبررة لتتبع هذا المتهم والإمساك به وتسليمه لمأمور الضبط للوقوف على شخصيته.
  ومن الدلائل أو الأمارات ظهور الثراء على شخص لم يعرف عنه بين أهله وذويه مبرراً لهذا الثراء بما يسمح بإمكان الاستدلال على ممارسته أو قيامه بعمل أدّى إلى هذا الثراء(2).
  ومن الدلائل في القرآن الكريم قوله تعالى: {فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ}(3).

ثانياً: مشروعية العمل بالقرائن:
  للعلماء في الاحتجاج بالقرائن رأيان:
  الرأي الأول: القرائن حجة يعتمد عليها في الإثبات، وهو رأي جمهور الفقهاء(4).
  واستدلوا:
1-  بقوله تعالى: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِين * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِين * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيم}(5)(6).
    فلما ادعى كل واحد منهما أن المراودة كانت من الآخر فقد تطلب الأمر الفصل في الدعوى فاستعان الحكم بالقرائن حيث جعل قد القميص قرينة على الصدق والكذب في حق كل منهما، فلما تبين أن شق القميص كان من الدبر جعل ذلك قرينة على أن يوسف عليه السلام صادق في دعواه.
2-  وبقوله تعالى: {وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}(7).
    فقد جعل أخوة يوسف الدم على قميص يوسف دليلاً على صدق قولهم بأن الذئب أكل يوسف عليه السلام وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه.

3-  وبقوله تعالى: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}(8).
    ووجه الدلالة أنه يعرف فقر كل واحد منهم من العلامات التي تبدو عليه من التواضع والخشوع والخجل من سؤال الناس، وما يظهر عليهم من الجهد وضعف البنية.
4-  وبقوله تعالى: {وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُون* وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون}(9).
    فقد مَنَّ الله تعالى على عباده بنصب أمارات وعلامات ترشدهم إلى مقاصدهم في أسفارهم فيعرفون بها الجهات والقبلة فدل ذلك على أن القرينة معتبرة في تقرير الأحكام(10).
5-  وبما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لاَ تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى»(11).
    ووجه الدلالة: أنه يفهم من القصة أن داود عليه السلام قد حكم للكبرى بما لها من قوة اليد وهي قرينة ظاهرة، بينما حكم سليمان عليه السلام بقرينة باطنة وعلاقة صادقة متمثلة بالشفقة والرحمة والمودة التي أودعها الله تعالى في قلب الأم، فلجأ إلى هذه القرينة، فدلت على الصغرى فحكم لها(12).

6-  وبما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَاتَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ حَتَّى أَلْجَأَهُمْ إِلَى قَصْرِهِمْ، فَغَلَبَ عَلَى الزَّرْعِ وَالْأَرْضِ وَالنَّخْلِ، فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَجْلُوا عَنْهَا وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ وَلِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا شَيْئًا، فَإِنْ فَعَلُوا فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ، فَغَيَّبُوا مَسْكًا فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لِحُيِيِّ بْنِ أَخْطَبَ كَانَ قَدْ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتِ بَنُو النَّضِيرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِعَمِّ حُيَيٍّ بْنَ أَخْطَبٍ: "مَا فَعَلَ مَسْكُ حُيَيٍّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنَ النَّضِيرِ؟ قَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ. فَقَالَ: الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الزُّبَيْرِ فَمَسَّهُ بِعَذَابٍ، فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ حُيَيًّا يَطُوفُ بِخَرِبَةٍ هَهُنَا. فَذَهَبُوا فَطَافُوا فَوَجَدُوا الْمَسْكَ فِي الْخَرِبَةِ»(13).

ووجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم استدل على كذب عم حيي بن أخطب بقرينة قرب العهد وكثرة المال، وهذا صريح في جواز الاعتماد على القرائن في الحكم.

7-  وبما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ»(14).

فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من السكوت قرينة على الرضا والموافقة على الزواج، والولي في حاجة لمعرفة رأيها حتى يقوم بما تمليه الولاية من حقوق، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة فكان السكوت قرينة على الرضا.

8-  وبما روي أن أنصاريين قتلا أبا جهل يوم بدر ثم ذهبا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال كل واحد منهما أنا قتلته يا رسول الله، فقال الرسول: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟» قَالَا: لَا، فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ، فَقَالَ: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ»(15).
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم استدل من قرينة وجود الدم على سيفيهما بأن كلا الرجلين قتله.
9-  وبما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ»(16).

ووجه الدلالة: أن فراش الزوجية الصحيحة قرينة على شرعية الاتصال والمخالطة، فيكون الولد للزوج ويثبت نسبه من أبيه نظراً لأن الغالب في الأحوال أن الفراش لا يكون إلا عن طريق العقد الصحيح فأقام الرسول صلى الله عليه وسلم قرينة مستمدة من الأعم الأغلب في الأحوال.

10-   وبما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: أَرَدْتُ السَّفَرَ إِلَى خَيْبَرَ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ فَقَالَ: «إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإِنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً، فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ»(17).
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر جابر بأن وضع اليد على ترقوة وكيله قرينة على صدق جابر ويظهر أنها علامة متفق عليها بين النبي صلى الله عليه وسلم ووكيله، أن من فعلها عند طلبه أوسق التمر كانت دليلاً على صدقه.

11-  وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال عمر بن الخطاب: «لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لاَ نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، أَلاَ إِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الحَبَلُ أَوِ الاعْتِرَافُ»(18).
12-   لقد ورد العمل بالقرائن عن عدد من الصحابة، فقد ورد عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه جعل من تقيئ الخمر علامة على شربها، بحيث كان القيء قرينة قاطعة على الشرب.

وحكى ابن قدامة إجماع الصحابة على العمل بالقرائن(19).

13-  إن عدم العمل بالقرائن يؤدي إلى ضياع الحقوق، وفي هذا يقول ابن القيم: (الحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ودلائل الحال ومعرفة شواهده وفي القرائن الحالية والمقالية كفقهه في جزئيات وكليات الأحكام أضاع حقوقاً كثيرة على أصحابها، وحكم بما يعلم الناس بطلانه، ولا يشكون فيه اعتماداً منه على نوع ظاهر لم يلتفت إلى باطنه وقرائن أحواله)(20).
الرأي الثاني: القرائن ليست حجة ولا يعتمد عليها في الأحكام وبهذا قال الجصاص والخير الرملي من الحنفية والقرافي من المالكية(21).

واستدلوا:
1-  بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ فُلَانَةَ. فَقَدْ ظَهَرَ مِنْهَا الرِّيبَةُ فِي مَنْطِقِهَا وَهَيْئَتِهَا وَمَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا»(22).
ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم الحد على المرأة مع وجود القرنية على الزنا وهي الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها.

2-  وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ: «الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا رَجُلًا عَلَى امْرَأَتِهِ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ». فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا، إِنِّي لَصَادِقٌ، وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَمْرِي مَا يُبْرِئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ. فَنَزَلَتْ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} الآية، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا، فَجَاءَا، فَقَامَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا مِنْ تَائِبٍ؟»، ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْخَامِسَةِ {أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ}، وَقَالُوا لَهَا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا سَتَرْجِعُ، فَقَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ، سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ»، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ»(23)

3-  وبما روي أن أمير المؤمنين علياً أُتِيَ وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِثَلَاثَةٍ قَدْ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَ اثْنَيْنِ: أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟ قَالَا: لَا، ثُمَّ سَأَلَ اثْنَيْنِ: أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟ قَالَا: لَا، فَجَعَلَ كُلَّمَا سَأَلَ اثْنَيْنِ أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟، قَالَا: لَا، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالَّذِي أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَيِ الدِّيَةِ، قَالَ: «فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ»(24).
وجه الدلالة: أن فيما ذكر دليل صريح بعدم الاحتجاج بالقرينة (وهي القيافة) وإلا لما عدل عنها علي رضي الله عنه إلى القرعة وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على اجتهاده.

4-  إن العمل بالقرائن عمل بالظن والتخمين ونهى الله تعالى عن العمل بالظن في قوله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}(25).




([1]) عبد الحافظ عابد: الإثبات الجنائي بالقرائن دراسة مقارنة، ص100.

([2]) المرجع السابق ص183.

([3]) سورة المائدة: 31.

([4]) البهوني: كشاف القناع (6/354)، وابن فرحون، ابراهيم بن علي، تبصرة الحكام، مكتبة الكليات الازهرية، ط1، 1406، 

(2/117)، والطرابلسي، ابو الحسن علي بن خليل، معين الحكام، دار الفكر، بدون طبعة، وبدون تاريخ، ص166، وابن قدامة: 

المغني (10/186).

([5]) سورة يوسف: 26-28.

([6]) ابن فرحون تبصرة الحكام (2/117)، وابن أبي الدم: أدب القضاء، مطبعة الإرشاد، بغداد سنة 1984م، (1/186) .
([7]) سورة يوسف: 18.

([8]) سورة البقرة: 273.

([9]) سورة النحل: 15-16.

([10]) القرطبي، ابو عبدالله محمد بن احمد، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق احمد البردوني وابراهيم طفيش، دار الكتب العلمية، 

القاهرة، ط2، 1964م، (10/92).

([11]) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء (4/162)، وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الأقضية (12/18).

([12])الشرفي، عبد الرحمن محمد عبد الرحمن، تعارض البينات القضائية في الفقه الإسلامي ، مطبعة الكاملابي، القاهرة، ،1986، 

ص327.
                                                                                                                                   
([13]) السجستاني، سليمان بن الاشعث، سنن أبي داود، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، (3/157)، 

والبيهقي، احمد بن الحسين، السنن الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1994، (9/137).

([14]) صحيح البخاري، كتاب النكاح (9/25) وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب النكاح (9/202).

([15]) متفق عليه، انظر موسوعة الحديث رقم (3687).

([16]) صحيح البخاري بشرح، باب للعاهر الحجر (8/165)، وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الرضاع (10/37).

([17]) سنن البيهقي (6/80).

([18]) صحيح البخاري  باب الاعتراف بالزنا (8/168)، وصحيح مسلم بشرح النووي (11/191).

([19]) يوسف، عبد الحسيب عبد السلام، القاضي والبينة، مكتبة المعلا، الكويت، ط1، سنة 1987، ص465.

([20]) ابن القيم: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص4-5.

([21]) الجصاص: أحكام القرآن (3/171)، والقرافي، شهاب الدين احمد بن ادريس، الفروق، عالم الكتب، (4/65).

([22]) صحيح البخاري، باب من اظهر الفاحشة والنطح والتهمة بغير بينة (8/175)، وصحيح مسلم بشرح النووي (10/129). 

وابن ماجة، ابو عبد الله محمد بن فريد القزويني، سنن ابن ماجة، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار احياء الكتب العربية، فيصل البابي

 الحلبي، كتاب الحدود (2/855).

([23]) صحيح البخاري، باب ويدرأ عنها العذاب أن تشهد اربع شهادات بالله ...، (6/100)، وصحيح مسلم بشرح النووي

 (10/124).

([24]) أبو داود: السنن، كتاب الطلاق (2/281).

([25]) سورة النجم: 28.

                   --------------------------

مناقشة أدلة القائلين بعدم العمل بالقرائن:
1)    ما استدلوا به من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا...» الحديث. هذا الحديث وإن كان صحيح الإسناد إلا أنه يحمل على أن تلك القرائن ضعيفة لا يعتمد عليها في إثبات الحدود لأنها مجرد تهمة وشك والحدود تدرأ بالشبهات. وهذا لا يعني عدم الاحتجاج بالقرائن مطلقاً فالقرائن إن كانت قاطعة فإنها تصلح للاحتجاج بها، والقائلون بالعمل بالقرائن يقولون بأن القرائن الظنية لا تصلح أدلة لإقامة الحدود.

2)    أما ما استدلوا به من حديث هلال بن أمية فيجاب عنه بأن من شروط العمل بالقرينة أن لا يعارضها ما هو أقوى منها، وفي الحديث قرينة معارضة أقوى وهي الفراش(1)
3)    وأما ما استدلوا به من الأثر الوارد عن الإمام علي رضي الله عنه، فقد سئل الإمام أحمد عن الحديث فقال: هذا حديث منكر، وربما إن صح الحديث أنه حكم بالقرعة لعدم وجود قائف(2)

4)    وأما قولهم بأن القرائن ظن وتخمين والظن أكذب فأجيب عنه: بأن الظن المذموم هو الضعيف الذي لا تبنى عليه الأحكام، ذلك أن الظن نوعان بدلالة قوله تعالى: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}. فمن الظن ما لا تبنى عليه الأحكام وهو الظن الضعيف ومنه ما تبنى عليه الأحكام ولا شك أن القرائن القاطعة أو القرائن التي تفيد ظناً راجحاً يحتج بها، والفقهاء جميعاً يعملون بالظن الراجح في الأحكام العملية.

الترجيح: مما لا شك فيه أن العمل بالقرائن فيه توطيد لأركان العدالة ورعاية لمصالح الناس وتحقيق لمقصود الشارع من إقامة العدل وقيام الناس بالقسط، وكل ما يحقق مقصود الشارع يتعين العمل به والقرائن مما يعين على تحقيق مقصود الشارع فيتعين العمل بها.
وفي هذا الصدد يقول ابن القيم (إن الحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ودلائل الحال ومعرفة شواهده أضاع حقوقاً كثيرة وحكم بما يعلم الناس بطلانه، ولا يشكون فيها اعتماداً على نوع ظاهر لم يلتفت إلى باطنه وسائر أحواله)(3).
فعدم العمل بالقرائن يؤدي إلى ضياع الحقوق خاصة في العصور المتأخرة حيث كثرت وسائل التحايل والتستر وقلب الحقائق.
كما أن الأدلة التي استدل بها القائلون بالعمل بالقرائن أدلة قوية راجحة جُلّها آيات قرآنية ونصوص ثابتة صحيحة من السنة المشرفة ولا توجد أدلة أخرى معارضة لها في قوتها.




([1]) ابن القيم: الطرق الحكمية ص243.

([2]) ابن القيم: الطرق الحكمية ص244 والشوكاني: نيل الأوطار (7/78).

([3])الطرق الحكمية لابن القيم، ص4.

                   --------------------------



المطلب الثاني: أقسام القرينة في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي

أولاً: أقسام القرينة في الفقه الإسلامي
يرى فقهاء الشريعة الإسلامية أن القرينة تقسم باعتبارات عدة أهمها التقسيم بحسب مصدرها وسأذكر مدى حجية كل قسم منها وأمثلة توضح كلاً منها.
أقسام القرينة بحسب مصدرها:
تقسم القرينة باعتبار مصدرها إلى قرائن نصية وقرائن فقهية وقرائن قضائية.

‌أ-     القرائن النصية: وهي ما نص الشارع عليها في القرآن أو السنة ومن أمثلها ما سبق ذكره من أدلة نصية عند ذكرنا للرأي القائل بحجية العمل بالقرائن والمذكورة وهي الأدلة رقم (1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10) انظر ص 6 وما يليها من البحث.
ويرى البعض أن القرائن التي ثبتت بالعرف تعتبر من القرائن النصية لأن الشارع جعل العرف أساساً لكثير من الأحكام فالمتعارف عليه كالمشروع فيما لا نص فيه. ومن ذلك: من حلف لا يأكل لحماً فإنه لا يحنث بأكل السمك لأن العرف لا يعتبره لحماً، وإن كان في اللغة يعتبر لحماً وقد سمّى في القرآن الكريم لحماً طرياً. أما إذا كان العرف يعتبره لحماً فإنه يحنث(1).

والقرائن النصية يجب الحكم بها ولا يجوز للقاضي أن يعدل عن مقتضى هذه القرائن، وهذه القرائن لا يمكن إثبات عكسها فالفراش قرينة على ثبوت نسب الولد للزوج ولا يجوز الحكم بغيرها من الأمارات أو القرائن إلا بطريق شرعي كنفي نسب الولد باللعان.

ومن القرائن النصية التي يجب يحكم بها ولا يمكن إثبات عكسها الخلوة الصحيحة، فإذا اختلى الزوج بزوجته في عقد زواج صحيح وادعى وصوله إليها صدقت الدعوى، فالخلوة الصحيحة قائمة مقام الوطء وقد اعتبرها الشارع وأوجب المهر كاملاً غير منقوص كالدخول الحقيقي.

ومن القرائن النصية أن الشارع أقام الدليل على براءة الرحم من وجود الحيض ورتب عليه أحكام العدة، فمنع العقد عليها من آخر أثناء العدة.
وعليه فإن القرائن النصية الثابتة بنص صحيح قطعي الدلالة تعتبر حجة قطعية في الدلالة على الأحكام الشرعية.

‌ب- القرائن الفقهية: وهي القرائن التي استنبطها الفقهاء وجعلوها أدلة على أمور أخرى واعتدوا بها في الأحكام(2).
ومن أمثلة القرائن الفقهية: الحجر على المفلس بقرينة عدم الوفاء إذا ثبت أنه تصرف في أمواله بقصد إخفائها لتفويت حق الغرماء.






([1]) د. عبد الحافظ عابد: الإثبات الجنائي بالقرائن ص138.

([2]) د. عبد الحافظ عابد، الإثبات الجنائي بالقرائن ص139.

                   --------------------------

ومنها إذا قدّم صاحب المنزل الطعام إلى الضيف ووضعه بين يديه فإنه إذن له بتناول الطعام(1).
ومنها أن متاع البيت عند ادعاء كل من الزوجين ملكيته دون بيّنة لأحدهما، فالحنفية والمالكية والحنابلة(2) على أنه يعطى للرجل ما يناسبه وللمرأة ما يناسبها عملاً بالقرينة وهي مناسبة المتاع والأثاث لكل منهما.

ويرى الشافعية(3) أن المتاع يكون بين الزوجين ولا يختص أحدهما بشيء منه، بقرينة وضع اليد، لأن كل واحد منهما قد يملك ما يناسب الآخر بطريق التجارة أو الإرث مثلاً، فليس في المناسبة ما يدل على اختصاص كل منهما بما يناسبه.
ومنها: البيع بالمعاطاة: حيث يرى المالكية والحنابلة في رواية عن أحمد(4) أنه جائز، لأن المعاطاة قرينة واضحة على الرضا بالبيع.
وذهب الشافعية وأحمد في رواية إلى عدم صحة البيع بالمعاطاة(5) وذلك لعدم وجود صريح الإيجاب والقبول الدال على الرضا، والمعتبر في البيع هو حقيقة الرضا وليس ما يدل عليه، فلا تصح المعاطاة قرينة عليه.
والقرائن الفقهية إذا أجمع عليها الفقهاء فإنها تكون في حكم القرائن الشرعية النصية في حجيتها فتكون حجة قاطعة لا يمكن إثبات عكسها.

أما القرائن الفقهية غير المتفق عليها فإنها تعتبر حجة وفق الشروط التي تم ذكرها لاعتبار حجية القرائن فإن كانت تفيد ظناً غالباً فهي حجة في غير الحدود والقصاص ومثاله ظهور الحمل على امرأة غير متزوجة ولا معتدة فإن هذا يفيد ظناً غالباً يقارب اليقين أن المرأة حملت سفاحاً(6) ولا يقام الحد عليها بهذه القرينة لأنها ربما كانت مكرهة أو استدخلت ماء رجل في فرجها بطريق الخطأ لاستعمالها خرقة عليها ماء رجل.
وإن كانت تفيد ظناً عادياً فلا تعتبر حجة مثاله أن يتنازع حداد وبحار في بعض أدوات صنعتهما والمتاع تحت أيديهما فيقضي لكل منهما بما يناسبه(7).

والقرائن التي تفيد ظناً غالباً أو عادياً فإنها تقبل إثبات عكسها.
ومن القرائن المرجوحة أن يوجد رجل يغدو على رأسه عمامة وفي يده عمامة أخرى ووراءه رجل حاسر الرأس ولا عادة له يطلب العمامة منه ويدعي أنها له فإن هذه قرينة أقوى في الاعتبار من قرينة وضع اليد، فتعتبر قرينة وضع اليد قرينة ملغاة(8).
والقرائن المرجوحة والضعيفة لا يصح الاعتماد عليها بل تحتاج إلى دليل آخر لترتب الحكم عليها، وعندئذ فإن الحكم لا يكون بناء على القرينة المرجوحة أو الضعيفة وإنما يكون بناء على الدليل.




([1]) ابن القيم: الطرق الحكمية ص23.

([2]) ابن نجيم، زين الدين بن ابراهيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار المعرفة، بيروت، (7/225)، ، وابن فرحون: تبصرة 

الحكام (2/120) والبهوتي: كشاف القناع (6/389).

([3]) الشيرازي: المهذب (2/317).

([4]) ابن قدامة: المغني (4/5).

([5]) الشربيني، محمد الخطيب، مغني المحتاج (2/3) وابن قدامة: المغني (4/5).

([6]) محمد رأفت عثمان: القضاء بالقرائن، بحث منشور في مجلة كلية الشريعة والقانون، جامعة الإمارات العربية، عدد 2 سنة

1988، ص51.

([7]) المرجع السابق.

([8]) ابن القيم: الطرق الحكمية ص4.
-----------------------------------------

القرائن القضائية:
وهي التي يستنبطها القاضي بفطنته وذكائه وهي دليل على الإثبات إن اقتنع القاضي بها وغلب على ظنه صحتها. أو هي التي يستنبطها القاضي من واقعة معلومة لإثبات واقعة مجهولة(1).
والحكم بالقرائن القضائية يخضع للسلطة التقديرية للقاضي، يحكم بها إذا اقتنع بها، ولا يحكم بها إن لم تتوافر لديه القناعة بها.
والقرينة القضائية لابد أن تكون واضحة قوية حتى يتيسر للخصوم الاستناد إليها، ويستطيع القاضي الاستناد إليها في حكمه ويكون استخلاص القرائن القضائية من قبل القاضي استخلاصاً سائغاً مؤدياً عقلاً إلى النتيجة التي ينتهي إليها في حكمه وأن يوجد اتصال وثيق بين القرينة والواقعة محل الإثبات، والقرائن القضائية متعددة ولا يمكن حصرها، والقرائن القضائية ليست قاطعة كالقرينة النصية والفقهية المجمع عليها، وإنما هي قرائن ترجح الحق (قرائن مرجحة) وتعتمد في قوتها على صدق حجيتها بما يطمئن نفس القاضي ويرتاح ضميره لما تحدثه من يقين معنوي يعين القاضي على الحكم في الدعوى(2).
ومن أمثلها: أن يدعي رجل أنه سلم رجلاً وديعة فأنكرها فقال له القاضي: أين سلمته إياها؟ قال في مسجد البلدة، قال: فاذهب فجئني منه بمصحف فذهب ثم قال للمدعى عليه أتظنه بلغ المسجد، قال: لا فألزمه بالمال.
ومنها: أن يستنبط القاضي من علاقة الزوجية بين المتعاقدين –وهي واقعة ثابتة- قرينة على صورية التصرف المبرم بين الزوجين بقصد الإضرار بدائني الزوج(3).
ومن القرائن القضائية: مشاهدة شخص متهم قرب مكان الجريمة وفي لحظة الجريمة ومعه أداة ملطخة بالدم، فإن الأمر يقتضي معرفة مدى علاقته بالمجني عليه، وهل هناك علاقة بين الأداة المستعملة في الحادث وبين الأداة المضبوطة معه، فهذه افتراضات أولية يجب الحصول على إجابات محددة عليها، فإذا كانت المقدمات والأمور الافتراضية صحيحة بأن كان على علاقة سيئة بالمجني عليه وأن السلاح المستخدم في الحادثة مملوك له، فإن ذلك لا يقطع بمسئوليته الجنائية حيث يجب معرفة ما إذا كان هو الذي استخدم السلاح أم غيره، وما سبب تواجده في مكان الحادث عند ضبطه، ومن الأهمية الحذر في أسلوب تطبيق القرائن القضائية في الإثبات حيث أنها تستلزم الفطنة والدقة في الافتراض واستخلاص النتائج.
وخلاصة القول أن تطبيق القرائن القضائية في الإثبات ينبغي أن يؤخذ بحذر شديد والقرائن القضائية تطبق كدليل للنفي(4).
ومنها أيضاً قصة الرجل الذي خرج من دار ومعه سكين في يده ملوثة بالدماء وثوبه ملطخ به وهو خائف مضطرب، ودخل الناس فور خروجه فوجدوا فيها إنساناً مذبوحاً يتشحط في دمه، ولم يكن معه في الدار غير هذا الرجل الذي خرج على هذه الصفة.
فهذه الأوصاف قرينة قوية على أن هذا الرجل هو القاتل، ولا يعترى أحد عاين هذه الواقعة شك في أنه هو القاتل(5).
ومنها أن امرأة تعلقت بشاب من الأنصار في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت تهواه، فلما لم يساعدها احتالت عليه، فأخذت بيضة، فألقت صفرتها وصبت البياض على ثوبها وبين فخذيها، ثم جاءت إلى عمر صارخة وقالت: هذا الرجل غلبني على نفسي وفضحني وهذا أثر فعاله، فسأل عمر النساء، فقلن له: إن ببدنها وثوبها أثر المني، فهم عمر بعقوبة الشاب، فجعل يستغيث ويقول: يا أمير المؤمنين تثبت في أمري، فوالله ما أتيت فاحشة، ولا هممت بها، وهي التي راودتني عن نفسي، فاعتصمت، فقال عمر: ما ترى يا أبا الحسن في أمرها؟ فنظر الإمام علي رضي الله عنه إلى ما على الثوب، ثم دعا بماء حار شديد الغليان، فصب على الثوب فجمد ذلك البياض، ثم أخذه فاشتمه وذاقه، فعرف طعم البيض فزجر المرأة فاعترفت(6).
ومنها: ما روي أنه رفع إلى القاضي إياس بن معاوية رجل استودع غيره مالاً فجحده، فسأله القاضي إياس فأنكر، فقال للمدعي: أين دفعت إليه، قال في البرية: فقال: وما كان هناك أحد، قال: شجرة قال: اذهب إليها فلعلك دفنت المال عندها ونسيت، فتذكر إذا رأيت الشجرة، وقال للخصم، اجلس حتى يرجع صاحبك، وإياس يقضي وينظر إليه ساعة بعد ساعة، ثم قال له: يا هذا أترى صاحبك قد بلغ مكان الشجرة، قال: لا، قال: يا عدو الله، إنك خائن، قال: أقلني، قال: لا أقلك الله، فأمر أن يحتفظ به حتى جاء الرجل، فقال له إياس: اذهب معه فخذ حقك(7).
ومنها: ما روي عن الشعبي قال: شهدت شريحاً، جاءته امرأة تخاصم رجلاً، فأرسلت عينها وبكت فقال: يا أبا أمية، ما أظن هذه البائسة إلا مظلومة فقال: يا شعبي، إن أخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون(8).




([1]) عماد جعافرة: قرائن الإثبات في القانون المدني ص13 و د. عبد الحافظ عابد الإثبات الجنائي بالقرائن ص104، 142.

([2]) د. عبد الحافظ عابد: الإثبات الجنائي بالقرائن ص140.

([3]) د. عماد جعافرة: القرائن في القانون المدني دراسة مقارنة ص13.

([4]) د. عبد الحافظ عابد: الإثبات الجنائي بالقرائن ص132.

([5]) مجلة الأحكام العدلية المادة 1741 حيث ذكرت المجلة الحادثة بعد تعريف القرينة.

([6]) ابن القيم: الطرق الحكمية ص55.

([7]) ابن القيم: الطرق الحكمية ص29.

([8]) ابن القيم: اطرق الحكمية ص28.
                   --------------------------

ثانياً: أقسام القرينة في القانون:
تقسم القرائن إلى قسمين بحسب مصدرها، قرائن قانونية وقرائن قضائية.
القرائن القانونية: وهي التي نص المشرع الوضعي في القانون عليها نصاً صريحاً بما لا يدع مجالاً للمجادلة في صحتها بحيث يلتزم بها القاضي ويطبق حكمها على النزاع المعروض عليه.
والقرائن القانونية نوعان: النوع الأول: قرائن قاطعة لا يجوز إثبات عكسها وهي محددة على سبيل الحصر في النصوص التي تضمنتها.

ويترتب على هذا النوع إعفاء صاحب الشأن من عبء الإثبات بصفة دائمة ولا تقبل إثبات العكس(1).
ومن الأمثلة على هذه القرينة: قرينة انعدام التمييز لمن يكون عمره أقل من سبع سنوات حيث اعتبر المشرع الطفل دون السابعة (غير مميز) ونص على إعفائه من المسئولية الجنائية حتى ولو كان هذا الطفل مميزاً في الواقع(2).
ومنها: أن القانون المدني الأردني في المادة 1128 اعتبر التصرف في مرض الموت قرينة على أنه صادر على سبيل التبرع وتسري عليه أحكام الوصية أياً كانت التسمية التي تعطى لهذا التصرف، وبناء على هذا فإن المشرع قد أقام بينة قانونية مفادها أن تصرف المريض بجزء من ماله يُعد من قبيل التصرفات التبرعية، ويأخذ بذلك أحكام الوصية، وعليه فإن الواقعة الثابتة تشكل العنصر المادي لهذه القرينة، بحيث يتعين على من يدعي أن هذا التصرف قصد به التبرع أن يقيم الدليل على أن من قام بالتصرف هو مريض مرض الموت وفقاً للأحكام المقررة بهذا الشأن، ومتى أثبت هذه الواقعة فإن واقعة أخرى تثبت بثبوتها وهي أن التصرف إنما صدر على سبيل التبرع(3).

النوع الثاني: قرائن بسيطة: وهي التي نص المشرع عليها إلا أنه أعطى لصاحب المصلحة أن يثبت عكسها بكافة وسائل الإثبات المشروعة والتي تتفق مع المنطق والعقل.
ويترتب عليها إعفاء صاحب الشأن من عبء الإثبات بصفة مؤقتة، والأصل في القرائن القانونية أن تكون بسيطة تقبل إثبات العكس بكافة طرق الإثبات والاستثناء أن تكون قاطعة(4).

ومن أمثلة القرائن البسيطة: ما تضمنه قانون الجمارك الأردني لسنة 1983 في المادة 198أ، ب حيث يعتبر سوء القصد أمرا مفترضا لدى المتهم حتى يثبت العكس، وصحة ما يحويه المحضر حتى يثبت العكس(5).
ويلاحظ أن القرائن القانونية بنوعيها القاطعة والبسيطة تتفق مع تقسيم الفقهاء إلى قرائن نصية وقرائن فقهية حيث إن القرائن الفقهية إذا كان مجمعاً عليها أو جرى بها العرف كانت في حكم القرائن المنصوصة، وما عدا ذلك من القرائن الفقهية المبنية على ظن غالب فإنها تأخذ حكم القرائن البسيطة(6).

التمييز بين القرينة القانونية والقاعدة الموضوعية: قد يقع الخلط بين القرينة القانونية المنصوص عليها والقاعدة الموضوعية وذلك لأن القانون جعل القرينة القانونية القطعية لا يجوز إثبات عكسها فتساوت من الناحية العملية بالقواعد الموضوعية المبنية على الغالب من الأحوال من حيث أنه لا يجوز إثبات عكس الاستنباط الذي قامت عليه(7).

القرائن القضائية: هي القرينة التي استنبطها القاضي من الوقائع المعروضة أمامه أو التي استنبطها القاضي من واقعة معلومة لإثبات واقعة مجهولة.
وفي الجملة لا تختلف القرائن القضائية في الفقه عنها في القانون من حيث مفهومها وحجيتها.
وفيما سبق ذكرنا عدداً من الأمثلة التي توضح القرينة القضائية في الفقه والقانون فيمكن الرجوع إليه في موضوع القرائن القضائية والقانونية السابق.




([1]) د. عبد الحافظ عابد: الإثبات الجنائي بالقرائن ص141 و د. عماد جعافرة: الإثبات بالقرائن في القانون المدني الأردني

 ص13.

([2]) د. عبد الحافظ عابد: الإثبات الجنائي بالقرائن ص114.

([3]) د. عماد الجعافرة: الإثبات بالقرائن في القانون المدني الأردني ص15.

([4]) د. عبد الحافظ عابد: الإثبات الجنائي بالقرائن ص141 وعماد الجعافرة: الإثبات بالقرائن في القانون المدني الأردني ص13.

([5]) السويدان، مفيد، نظرية الاقتناع الذاتي للقاضي الجنائي، رسالة دكتوراه، الناشر المؤلف نفسه، القاهرة، 1985، ص286، عبد 

الحافظ عابد: الإثبات الجنائي بالقرائن ص130.

([6]) يلاحظ أن التقسيم للقرائن عند الفقهاء لم يكن في عصر التقنين، فإذا تم تقنين الأحكام الفقهية فإن التقسيم الفقهي ينسجم مع

 التقسيم القانوني للقرائن.

([7]) د. سليمان مرقس: طرق الإثبات (2/110).
                   --------------------------


التمييز بين القرينة القانونية والقرينة القضائية
لما كانت القرينتان تقومان على فكرة واحدة وهي استخلاص أمر مجهول من خلال واقعة معلومة وأن كلاهما يقوم على إثبات الراجح بطريق غير مباشر مؤاده انتقال محل الإثبات من الواقعة محل النزاع إلى واقعة أخرى متصلة بها أو مجاورة لها يسهل إثباتها وبمجرد ثبوت هذه الواقعة فإنه يعد دليلاً على صحة الواقعة المتنازع عليها(1).
وفي كل من القرينتين فإنه لابد من إثبات الواقعة المعلومة حتى يفترض بعد ذلك ثبوت الواقعة المجهولة(2).
ونبين أوجه الاختلاف بين القرينتين والتي أوجزها فقهاء القانون في النقاط التالية(3):
-       القرينة القانونية مصدرها القانون فلا تنشأ إلا بنص تشريعي، أما القضائية فيقوم قاضي الموضوع باستخلاصها من وقائع الدعوى والظروف المحيطة بها.
-       القرينة القانونية: هي إعفاء من الإثبات فلا يكلف الخصم الذي تقررت لمصلحته هذه القرينة إثبات الأمر المدعى به، أما القضائية فتعتبر دليلاً إيجابياً في الإثبات، بحيث يلزم الخصم المكلف بالإثبات بجمع العلامات أو الأمارات من ظروف ووقائع الدعوى وتقديمها للقاضي الذي بدوره يتولى مهمة استنباط القرينة القضائية.

-       القرينة القانونية تعد من قبيل القواعد القانونية التي تتسم بالعمومية والتجريد، أما القضائية فهي قرينة موضوعية تستمد من ظروف الدعوى، فأساسها هو الواقع الذي تدل عليه الأمارات التي يقدرها القاضي وذلك حسب وقائع كل قضية على حدة.

-       القرينة القانونية ملزمة للقاضي، ويكون دور القاضي في التحقق من شروط انطباق القرينة القانونية على الواقعة المعروضة عليه، أما القضائية فهي مما يستقل بتقديره قاضي الموضوع وله السلطة التامة في بحث الأمارات والدلائل التي يتوصل عن طريقها لاستنباط القرينة.

-       القرائن القضائية قابلة لإثبات العكس دائماً وبجميع طرق الإثبات، أما القانونية فإن المشرع هو صاحب الكلمة بشأنها وهو الذي يحدد حجيتها في نطاق الإثبات، فيما إذا كانت تقبل إثبات العكس أم لا، ولذا فإن جميع القرائن القضائية في مرتبة واحدة، أما القانونية فإنها نوعان كما سبق القول قرائن قاطعة لا تقبل إثبات العكس وقرائن بسيطة يجوز إثبات عكسها.

-       القرائن القانونية ينص عليها القانون ولذا فإنها محصورة ولا يجوز التوسع فيها ولا القياس عليها أما القضائية فلا يمكن حصرها.

-       مجال اعمال القرينة القضائية مقيد بما يجوز إثباته بالبينة (الشهود)، فحيث لا يجوز الإثبات بالبينة (الشهود) لا يجوز الالتجاء للقرينة القضائية، أما القانونية فليس هناك مجال معين لإعمالها لأنها تعفى من الإثبات.




([1]) أبو الوفاء، احمد، الإثبات في المواد المدنية والتجارية، الدار الجامعية، بيروت، سنة 1983، ص160.

([2]) المصاروة، يوسف محمد، الإثبات القرائن في المواد المدنية والتجارية، مكتبة دار الثقافة، عمان، ط1، سنة 1996، ص102.

([3]) د. أحمد أبو الوفاء: الإثبات في المواد المدنية والتجارية ص161-162، الكيلاني، انس، موسوعة الإثبات في القضايا المدنية 

والتجارية ، ط1، سنة 1978، (2/363)، عثمان، قيس عبد الستار، القرائن القضائية ودورها في الإثبات، بيروت، 1984، ص196، 

أبو السعود، رمضان، أصول الإثبات في المواد المدنية والتجارية، الدار الجامعية، بيروت، 1985، ص248.

                   --------------------------


المبحث الثاني:

القرائن المعروفة في العصور الإسلامية وتشمل القيافة والفراسة واللوث والكتابة والإشارة

المطلب الاول: القيافة
مفهوم القيافة:
القيافة لغة: تتبع الآثار، والقائف هو متتبع الآثار والأشباه(1)، أو الملحق للنسب عند الاشتباه بما خصه الله تعالى به من علم بذلك(2).
وفي الاصطلاح: الاستدلال بهيئات أعضاء الشخصين على المشاركة والاتحاد بينهم في النسب والولادة في سائر أحوالهما وأخلاقهما، أو هي إلحاق الولد بأصوله لوجود الشبه بينه وبينهم(3).



([1]) الرازي: محمد بن أبي بكر الرازي: مختار الصحاح ص556، والجرجاني: التعريفات ص219.

([2]) الرملي، شمس الدين محمد بن ابي العباس،  نهاية المحتاج، دار الفكر، بيروت، 1984، (8/375).

([3]) الشربيني: مغني المحتاج (4/389).

                   --------------------------


مشروعية العمل بالقيافة
إذا كان المقصود بالقيافة تتبع آثار الأقدام مثلاً فإنه يجوز العمل بها لأنها نوع من الخبرة وتعتبر قرينة فنية، وإن كان المقصود بها إلحاق النسب عند الاشتباه فللعلماء رأيان في مشروعيتها:
الرأي الأول: العمل بالقافة لإثبات النسب المجهول مشروع وجائز وهذا رأي جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية(1).
واستدلوا:-
1-  بما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» وكان مجزر قائفاً(2).

وجه الدلالة: أن أهل النسب في الجاهلية كانوا يقدحون في نسب أسامة لأنه كان أسود شديد السواد، وكان أبوه زيد أبيض من القطن، فلما قال القائف ما قال: سُرّ النبي صلى الله عليه وسلم، فسرور النبي يدل على اعتبار قول مجزز وهو العمل بالقافة لأنه صلى الله عليه وسلم لا يُسَرّ إلا بالحق.
قال الشافعي: لو لم يكن في القافة إلا هذا الحديث أقنع أن يكون فيه دلالة على أنه علم، ولو لم يكن علماً لقال له: لا تقل هذا لأنك إن أصبت في شيء لم آمن عليك أن تخطئ في غيره، وفي خطئك قذف لمسلمة أو نفي نسب، وما أقره إلا لأنه رضيه، ورآه علماً لأنه لا يقر إلا حقاً ولا يسر إلا بالحق(3).
الرأي الثاني: لا يثبت النسب بالقيافة وبهذا قال الحنفية والإمام مالك في غير ملك اليمين(4).
واستدلوا:
1-  بقوله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ}(5) وبقوله تعالى: {وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}(6).
وجه الدلالة: أن القول بالقافة ظن وتخمين وقول بالهوى فلا يجوز شرعاً(7).

2-  وبما روي عن أبي هريرة أَنَّ رَجُلًا مِنْ فَزَارَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟» قَالَ: حُمْرة، قَالَ: «فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» -الأورق الذي في لونه بياض إلى سواد- قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: «فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟» قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: «وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ»(8).

وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق الابن بصاحب الفراش، وألغى الشبه رغم أن اختلاف الشبه بين الابن وأبيه يوجب نفي نسب الابن، مما يدل على عدم اعتبار القيافة في الحكم ولو كانت معتبرة لأحاله إلى قائف.

مناقشة الجمهور لأدلة الرأي الثاني:
إن قولهم بأن الظن منهي عنه فليس بمسلم في الأحكام العملية، وهو منهي عنه في أمور العقيدة، والأحكام العملية معظمها قائم على العمل بالظن.



([1]) ابن حزم، علي بن احمد ابو محمد، المحلى، تحقيق محمد منير الدمشقي، ادارة الطباعة والمنيرية، مصر، 1351هـ، (9/435)، 
وابن قدامة: المغني (8/126) والخرشي، محمد بن عبدالله، حاشية الخرشي، دار الفكر للطباعة، بيروت، (6/105)، والشربيني: 

مغني المحتاج (4/488).

([2]) صحيح مسلم بشرح النووي (10/42).

([3]) البيهقي، احمد بن الحسين،  معرفة السنن والآثار، تحقيق عبدالمعطي امين قلعجي، جامعة الدراسات الاسلامية، كراتشي، 

باكستان، (دار قتيبة، دمشق، بيروت)، دار الوعي حلب دمشق، دار الوفاء المنصورة القاهرة، ط1، 1991م، (14/365).

([4]) ابن رشد، ابو الوليد محمد بن احمد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الحديث، القاهرة، 2004، (2/359)، والطحاوي: 

شرح معاني الآثار (4/160) والمبسوط: للسرخسي وابن فرحون: تبصرة الحكام (2/116).

([5]) سورة النجم: 23.

([6]) سورة النجم: 28.

([7]) الطرابلسي: معين الحكام ص183.

([8]) صحيح البخاري، باب ما جاء في التعريض، (8/173) وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب اللعان (10/133).  

                   --------------------------

أما ما ورد في حديث أبي هريرة من عدم اعتبار الشبه في نفي النسب فإنما كان لوجود قرينة أقوى بالاعتبار وهي الفراش، والحديث أحال إلى اعتبار نوع آخر من الشبه وهو نزع العرق وهذا الشبه أولى لقوته(1).
يفهم مما سبق أن القيافة تعتمد الخبرة بخلاف القرينة.

المطلب الثاني: الفراسة
 مفهوم الفراسة مشروعية العمل بها
الفراسة لغة: هي المهارة في تعرف بواطن الأمور من ظواهرها(2).
وفي الاصطلاح: الاستدلال بالأمور الظاهرة على الأمور الخفية سواء كان ذلك مما يلهمه الله تعالى عباده الصالحين أو بما يكتسب بالتعليم من الدلائل والتجارب والخلق والخلق، وممارسة أحوال الناس وعاداتهم.
وقيل: هي النظر الفاحص المثبت الناشئ عن جودة القريحة وحدّة النظر وصفاء الفكر(3).
آراء العلماء في العمل بالفراسة
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز الحكم بالفراسة في القضاء(4).
واستدلوا:
1-  بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مثلكم، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلاَ يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»(5).
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم في هذه القضية ولا في غيرها بين الخصوم بالفراسة واقتصر حكمه على الأدلة الظاهرة.
2-  ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ»(6).
والقول بالفراسة قول بالظن والتخمين وهو منهي عنه.
وذهب ابن القيم إلى جواز العمل بالفراسة في القضاء(7).

واستدل:
1-  بقوله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ»(8).
وجه الدلالة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر باتقاء فراسة المؤمن فلو لم تكن الفراسة معتبرة لما أمرنا بها صلى الله عليه وسلم.
2-  وبقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِين}(9).
وجه الدلالة: أن الله تعالى جعل أعمال الأمم السابقة ومواقفهم من أنبيائهم دلائل وعلامات للمتفكرين وهذه العلامات لا تدرك إلا بالتأمل والتفكر والنظر.
3-  وبما ورد أن الصحابة رضي الله عنهم عملوا بالفراسة ومن ذلك أن عمر بن الخطاب أتته امرأة فشكرت عنده زوجها وقالت: هو من خيار أهل الدنيا، يقوم الليل حتى الصباح، ويصوم النهار حتى يمسي ثم أدركها الحياء، فقال: جزاك الله خيراً، فقد أحسنت الثنا، فلما ولّت، قال: كعب بن سور، يا أمير المؤمنين، لقد أبلغت في الشكوى إليك، فقال: وما اشتكت، قال: زوجها، قال: عليّ بها، فقال: لكعب: اقض بينهما، قال: أقضي وأنت شاهد، قال: إنك قد فطنت إلى ما لم أفطن إليه، قال: إن الله تعالى يقول: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} صم ثلاثة أيام وأفطر عندها يوماً، وقم ثلاث ليالٍ، وبت عندها ليلة، فقال عمر: هذا أعجب إليّ من الأول، فبعثه قاضياً لأهل البصرة، فكان يقع له في الكوفة من الفراسة أموراً عجيبة(10).

وذكر ابن القيم من الحكم بالفراسة ما رواه إبراهيم بن مرزوق البصري قال: جاء رجلان إلى إياس بن معاوية يختصمان في قطيفتين، إحداهما حمراء، والأخرى خضراء، فقال أحدهما: دخلت الحوض لأغسل ووضعت قطيفتي ثم جاء هذا فوضع قطيفته تحت قطيفتي ثم دخل فاغتسل فخرج قبلي وأخذ قطيفتي فمضى بها ثم خرج فتبعته فزعم أنها قطيفته فقال: ألك بينة: قال: لا، قال: ائتني بمشط فسرّح رأس هذا ورأس هذا فخرج من رأس أحدهما صوف أحمر ومن رأس الآخر صوف أخضر، فقضى بالحمراء للذي خرج من رأسه الصوف الأحمر، وبالخضراء للذي خرج من رأسه الصوف الأخضر(11).

وقد أجاب الجمهور عما ذكره ابن القيم بأن ما ذكره في القصتين إنما هو عمل بالقرائن وليس بالفراسة وكذلك فإن الاستدلال بالآية الكريمة إنما هو استدلال بالقرينة الظاهرة وهي ما آلت إليه أحوال تلك الأمم.
أما الفراسة التي هي موضع الخلاف فهي التي يعتمد فيها على الإلهام وقوة الحدس وهذه علامات خفية مستترة يصعب إثباتها بخلاف القرينة.
وعليه فإن الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور عن عدم جواز الحكم بالفراسة في القضاء لأنها حزر وتخمين(12).



([1]) ابن القيم: الطرق الحكمية 232.

([2]) الرازي: مختار الصحاح: 497.

([3]) السقا، حميد كامل، الحكم بالقرائن والقيافة وعلم القاضي، رسالة دكتوراه ص45.

([4]) ابن فرحون: تبصرة الحكام (2/135).

([5]) صحيح مسلم كتاب الأقضية رقم الحديث (1713).

([6]) صحيح البخاري، باب النهي عن التحاسد والتدابر، (8/99).

([7]) ابن القيم: الطرق الحكمية ص14.

([8]) الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، تحقيق احمد شاكر ومحمد فؤاد عبدالباقي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 

ط2، 1975،(5/298) والسيوطي، زين العابدين بن محمد المدعو عبد الرؤوف بن تاج العارفين، الجامع الصغير بشرح فيض

 القدير، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط1، 1356هـ، (1/142).

([9]) سورة الحجر: 75.

([10]) ابن القيم: الطرق الحكمية ص28.

([11]) المرجع السابق ص28.

([12]) د. أنور دبور: القرائن ودورها في الإثبات الجنائي ص16 و د. حميد كامل السقا: الحكم بالقرائن والقيافة ص86.
                   --------------------------

المطلب الثالث:الإثبات بقرينة اللوث
 اللوث لغة: التلطخ أو التشخط في الدم(1).
ينشأ عن اللوث غلبة الظن بوقوع القتل، وهو قرينة على القتل المدعى به وذلك إذا وجد الشخص المقتول في ساحة قوم ولم يعرف له قاتل، وهذا ما ذهب إليه بعض الفقهاء، ويرى آخرون أنّ اللوث لا يتحقق إلا بوجوده العداوة الظاهرة بين أهل المقتول والذين وجد المقتول بساحتهم مع التلطخ بالدم واللوث صور أخرى أوصلها بعضهم إلى سبع صور(2).
واللوث يعتبر قرينة يستدل بها على ثبوت الواقعة، فيحكم فيها بالقسامة عند عدم وجود أدلة إثبات غيرها.
والقسامة في اللغة تعني القسم وهو اليمين(3) والقسامة أيمان مخصوصة بسبب مخصوص.

وقد اختلف الفقهاء في مشروعية القسامة حيث يرى جمهور الفقهاء(4) أن القسامة من الأدلة الشرعية في إثبات جرائم الدم مستدلين بأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالقسامة فعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قَبْل خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَصْغَرَ مِنْهُم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كَبِّرِ الكُبْرَ» أَوْ قَالَ: لِيَبْدَأ الأَكْبَرُ، فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُم» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدُهُ. كَيْفَ نَحْلِفُ، قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ. قَالَ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ قِبَلِهِ(5).

ويرى بعض الفقهاء أنه لا يحتج بالقسامة ولا يحكم بها وممن قال بهذا الرأي سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار والحكم بن عيينة وقتادة وأبو قلابة ومسلم بن خالد وابن عليه والبخاري وغيرهم(6).
والراجح أن القسامة من الأدلة المعتبرة، قال القاضي: حديث القسامة أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الأحكام وركن من أركان مصالح العباد وبه أخذ العلماء كافة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين والشاميين والكوفيين وغيرهم رحمهم الله تعالى(7).

ولما كانت الجرائم لا تتم إلا خفية في أغلب الأحيان كانت القسامة الطريق إلى إثبات القتل عند انعدام البينات أو الأدلة القاطعة.
وقد اختلف القائلون بها: هل يثبت بها القتل العمد؟ً و هل يجب بها القصاص؟
فقال معظم الحجازيين يجب بها القصاص وهو قول مالك وأصحابه والليث والأوزاعي وأحمد والشافعي في قوله القديم(8).
وقال أبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه لا يجب بها القصاص وإنما تجب بها الدية(9).

وأرى أن ما ذهب إليه الحنفية والشافعية في عدم وجوب القصاص بالقسامة هو الأرجح لأنها لا تعدو أن تكون ظنية لاعتمادها على قرينة غير قاطعة وتقبل إثبات العكس، والقصاص كالحدود يدرأ بالشبهة، وأما الدية ففيها تحقيق مصلحة عامة حتى لا يطل دم في الإسلام، فتحقق مصلحة لأولياء المقتول في التعويض و مصلحة للمجتمع في حقن الدماء ومنع الثأر وتحقيق الأمن.
واختلف الفقهاء فيمن يبدأ بأيمان القسامة هل هو المدعي أو المدعى عليه؟
فقال مالك والشافعي وأحمد يحلف ورثة المقتول (أي المدعى) ويجب الحق بحلفهم خمسين يميناً واحتجوا بالحديث وفيه التصريح بالابتداء بيمين المدعى، ولأن اللوث يقوي جانب المدعي فإن نكل المدعى ردّت اليمين على المدعى عليه عملاً بنص الحديث(10).
وذهب الحنفية إلى أنه يبدأ في أيمان القسامة بالمدعى عليه وذلك قياساً على سائر الأحكام في الدعاوي حيث تكون البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه(11).

والراجح ما ذهب إليه الجمهور لقوة الدليل لأن أيمان القسامة قائمة مقام أدلة الإثبات، ويجاب عن قول الحنفية بأن دعوى القسامة لا تقبل القياس لما اتصفت به من الخصوصية في التشريع، ولأن القياس معارض لصريح النص.




([1]) الرازي مختار الصحاح: 607.

([2]) شرح صحيح مسلم، النووي (11/143).

([3]) الرازي: مختار الصحاح (535).

([4]) شرح صحيح مسلم: النووي (11/143).

([5]) صحيح مسلم بشرح النووي (11/147) وابن قدامة: المغني (8/64).

([6]) المرجع السابق (11/143) وابن قدامة: المغني (8/64).

([7]) شرح صحيح مسلم (11/143).

([8]) ابن رشد: بداية المجتهد (4/211).

([9]) شرح صحيح مسلم (11/144) وابن رشد: بداية المجتهد (4/212-213).

([10]) شرح صحيح مسلم: النووي (11/144).

([11]) شرح صحيح مسلم: النووي (11/144).
                   --------------------------

المطلب الرابع: الإثبات بقرينة الكتابة والاشارة
أمر الله سبحانه بإثبات الديون بالكتابة قال تعالى: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}(1) وجعل الله تعالى الكتب السماوية وما فيها حجة على الناس قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ}(2).
وقد ورد عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في شأن الوصية «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ»(3) وحاجة الناس ماسة لاستيفاء حقوقهم وإبراء الذمم ومقاصد الشريعة تقتضيها.

كما أن الكتابة حجة في الإثبات سواء كانت رسمية أو عادية وقرينة تدل على الإثبات في المعاملات المدنية وتقبل إثبات العكس فهي قابلة للمحاكاة والمشابهة، أما في الدعوى الجنائية فإنها تخضع لتقدير قاضي الموضوع شأنها شأن كافة عناصر الإثبات في الدعوى وتمثل الكتابة في الدعوى الجنائية عنصراً هاماً كما في جرائم التزوير وخيانة الأمانة.

يقول ابن القيم: (إن الكتابة على الحجارة والحيوان وكتب العلم أقوى من هذه الأمارات)(4).
وقد تكون الكتابة مستنداً رسمياً كالصكوك وما يصدر عن كتاب العدل وشهادات الميلاد وعقود الزواج وسائر الوثائق الرسمية كالشهادات العلمية الصادرة عن مؤسسات، وفي حال الاعتراض على الكتابة في هذه المستندات بالتزوير فهي دعوى تحتاج إلى دليل وإلا فالأصل إلغاؤها ووجوب العمل بالمستندات الرسمية وعليه فإن النسب يثبت بوثيقة عقد الزواج مع إمكانية الخلوة (التقاء الزوجين).

الإثبات بقرينة الإشارة:
وردت آيات في القرآن الكريم يفهم منها أن الإشارة قرينة يحتج بها في الإثبات وذلك في قوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}(5).
فقد جعلت السيدة مريم عليها السلام حجتها في الإثبات بالإشارة إلى سيدنا المسيح عليه السلام. وفي قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا}(6).
وفي الحديث عن أنس رضي الله عنه أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا أَفُلاَنٌ أَوْ فُلاَنٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِيءَ بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى اعْتَرَفَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ(7).

والحديث صريح في أن الإشارة كانت قرينة على الاتهام، ولكن القصاص أقيم عليه بإقراره.
مما سبق نستطيع القول بأن الإشارة المفهمة قرينة في الإثبات سواء كانت من الأخرس أو الأبكم أو من لا يستطيع الحديث لسبب عارض أو طارئ يحول بينه وبين القدرة على الكلام. وهي قرينة تقبل إثبات عكسها في المعاملات المدنية، وفي الدعوى الجنائية تخضع لتقدير قاضي الموضوع(8).





([1]) سورة البقرة: 282.

([2]) سورة الأعراف: 157.

([3]) مالك بن انس، موطأ مالك، تحقيق بشار عواد ومحمود خليل، مؤسسة الرسالة، 1412، كتاب الأقضية، الأمر بالوصية، 

(2/505).
([4]) ابن القيم: الطرق الحكمية (310).

([5]) سورة مريم: 29.

([6]) سورة آل عمران: 41.

([7]) صحيح البخاري، باب اذا اومأ المريض براسه اشارة بينة جازت، (4/4).

([8]) د. أنور دبور: القرائن ودورها في الإثبات الجنائي (221).

                   --------------------------

المبحث الثالث: القرائن المستجدة
شهد القرن الماضي ثورة في المعلومات في مجالات عديدة، ففي مجال الاتصالات أصبح العالم قرية صغيرة، فوجد الناسوخ والإنترنت، كما حدث تقدم هائل في مجال نقل الصوت والصورة، وفي مجال الطب تم الغوص في أعماق الخلية في محاولة لفك رموزها، وتمكن العلماء من تحليل الدم وبصمة اليد وبصمة العين ومعرفة الحمض النووي أو ما يسمى بالبصمة الوراثية DNA كما أن التقدم العلمي ساعد قضاة التحقيق في توجيه الاتهام لمن تدور حولهم شبهات باستخدام وسائل لم تكن مستخدمة في الأزمنة السابقة مثل جهاز كشف الكذب والتنويم المغناطيسي وغسيل الدماغ وتتبع الآثار بالكلاب البوليسية، فهل تعتبر هذه الوسائل قرائن يحتج بها في الإثبات؟ هذا ما سنتناوله في المطالب التالية:-

المطلب الأول: التسجيل والتصوير
إن ضبط المعلومات والسجلات عن المشبوهين والمطلوبين والمجرمين الخطرين عن طريق الحاسب الآلي يسهل عملية استرجاع وتبادل المعلومات بين الإدارات المختلفة في الدولة، كما أن أهم استخدامات تقنيات الحاسب الآلية في العلوم الشرطية تتمثل في بناء القواعد البيانية مثل كمبيوتر البصمات، وقواعد الأحماض النووية، والبصمات الوراثية، وقواعد طبعات الأسلحة النارية، ورسم صور المشتبهين بالحاسبات الآلية، وتحسين الصور الفوتوغرافية باستخدام التصوير الرقمي، وبرامج الحاسبات الآلية(1).

إن جمع البيانات عن المجرمين في سجلات خاصة، وبواسطة الحاسب الآلي يسهل عملية الكشف عن الجرائم، وهو أمر جائز شرعاً؛ لأنه لا يعدو أن يكون توثيقاً لوقائع حصلت، شريطة الاحتفاظ بها لغايات أمنية، ولكن هل يجوز الدخول إلى المواقع الخاصة في الإنترنت والتجسس على أصحابها؟ وهل يجوز التحسس على أدوات التسجيل الخاصة في بيته أو غيرها، أو التصوير لمعرفة أسرار الناس؟
إن مما لا شك فيه أنه لا يجوز استعمال هذه الوسائل في حق الكافة من الناس، ويجوز اللجوء إليها تجاه من قامت الأدلة على صلتهم بالجريمة أو القرائن القوية.

كما أنه يمكن استخدام التصوير بالأشعة غير المرئية أو التصوير الضوئي في فحص المستندات المزورة والخطابات المقفلة ويمكن استخدام التصوير الفوتوغرافي أو التصوير بكمرات الفيديو، فإذا ادعى شخص على آخر أنه سرق منزلاً له ولديه صورة للمتهم وهو يدخل المنزل أو يكسر الأبواب أو ادعى عليه بحدوث واقعة الزنا فهل تعتبر هذه الصور دليلاً من أدلة الإثبات؟
فالذي تطمئن إليه النفس بأن هذه الصور أو التسجيلات تعتبر قرينة ضعيفة في الإثبات لاحتمال تشابه الصور بين الأشخاص أو احتمال التركيب بين الصور أو احتمال وجود رسم مشابه، وللقاضي ترجيح جانب الصورة بقرائن أخرى.
ويعتبر التصوير بكمرات الفيديو قرينة في إثبات الخطأ في حوادث السير، أما التسجيل فسبق القول بأنه لا يجوز أصلاً باعتباره من التجسس غير المسموح به شرعاً، وكذلك التسجيل الضوئي بالإضافة إلى أنه في حالات معينة حيث يكون جائزاً يشكل قرينة ضعيفة لوجود التشابه في الأصوات وإمكانية التقليد وإحداث التغيير فيها بالحذف والتقديم والتأخير ويرجع الأمر إلى القاضي في ترجيحها عند وجود قرائن أخرى.

المطلب الثاني: تحليل الدم والآثار
يترك الجاني في مكان الجريمة أثراً لأصابع اليدين أو القدمين أو رائحة تكشف عن الفاعل أو طريقة ارتكاب الجريمة، وقد تكون بعض هذه الآثار اعتداءً على المجني عليه كآثار الأسنان، أو تمزيق الثياب، وقد تكون دماً من المعتدي، أو أداة مستخدمة في تنفيذ الجريمة. وكل هذه تساعد على الكشف عن الجريمة، وبعضها كالبصمات يكون دليلاً قاطعاً على وجود المتهم على مسرح الجريمة، وإن لم يكن دليلاً على ارتكاب الجريمة، إلا أنه يسهل الكشف عن الفاعل(2).
إن وجود هذه الآثار أو البصمات لا يعد دليلاً مادياً قطعياً على الجاني رغم عدم وجود تشابه في البصمات أو الآثار لإمكانية وجود بصمات لآخرين قبل حدوث الجريمة، فقد يؤتى بإنسان لمكان الجريمة بقصد تضليل العدالة، ولذا فإن هذه البصمات أو الآثار تعد قرينة قوية على الاتهام تجيز للمحقق اتخاذ التدابير اللازمة مع المتهم للكشف عن الجريمة. ومن هذه التدابير الحبس الاحتياطي قصد التحقيق، والاستجواب، والتفتيش. وبمقدار قوة القرينة وانتفى الاحتمال فإنها تقترب من الأدلة التي تثبت بها الجريمة؛ لأن بعض هذه الآثار أو البصمات يكون دليلاً قطعياً على ارتكاب المتهم للجريمة.

ويحسن أن نشير هنا إلى أهمية تحليل الدم وأثره في نفي النسب، فالدم يشتمل على العديد من الصفات الوراثية الموروثة من الأب والأم ومن ذلك فصائل الدم، فإذا كانت الفصيلة الدموية للطفل لا توجد فيمن يدعي نسبه فإنه يمكن الاعتماد عليها في نفي نسبه منه أما في حال توافق الفصائل بين الطفل ومدعيه فإن ذلك لا يكون قرينة قطعية على ثبوت نسبه، لأن الفصيلة الواحدة يشترك فيها أناس كثيرون ويحتمل أن يكون أبو الطفل واحداً منهم، فلو ولدت امرأتان في مستشفى واختلط الولدان فيمكن عن طريق تحليل الدم معرفة نسب الولد الصحيح ففي حال اختلاف الفصائل يكون التحليل قطعياً في نفي النسب، أما في حال التوافق فإن إلحاقه يكون من باب الاحتمال.
وعليه فإنه يمكن الاعتماد على قرينة الفصائل إذا قذف الزوج زوجته بالزنا ونفيه نسب الولد إليه، فإذا اختلفت الفصائل بينه وبين المولود كانت دليلاً قطعياً على عدم ثبوت النسب بينهما، وإذا كانت الفصائل بينهما مشتركة فلا بد لنفي النسب من الملاعنة، فأيمان اللعان للتحقق مما يحتمل وقوعه أو عدمه.
والأصل عدم اللجوء إلى تحليل الدم إلا عند نفي النسب أو اختلاط المواليد، لأن قرينة فراش الزوجية قرينة قاطعة في ثبوت النسب لصاحب الفراش وهو الزوج.

المطلب الثالث: استعمال جهاز كشف الكذب
يتم من خلال هذا الجهاز رصد الاضطرابات والانفعالات النفسية التي تحصل للإنسان إذا ثارت أعصابه، أو تنبهت حواسه لأي مؤثر؛ فمثلاً رصد الاضطرابات في حالة التنفس بالشهيق أو الزفير، ورصد التغيرات في ضغط الدم والمتغيرات التي تحصل على الجلد من اللون، أو مقاومة للتيار الكهربائي. كل هذه قد تشكل مؤشراً أو قرينة على الاتهام(3)، ولا تعد دليلاً على الاتهام لأن نتائجه ليست دقيقة، ولأن قوة التحمل عند الأشخاص متباينة. فعندما يكون المجرم متمرساً في الإجرام لا تؤثر الأسئلة المطروحة عليه في نفسه حتى تظهر في انفعالات واضطرابات في التنفس أو ضغط الدم أو آثارها على الجلد، وقد يكون المتهم مريضاً بضغط الدم أو الربو مثلاً فلا يستطيع هذا الجهاز إعطاء قراءة سليمة تعد قرينة على ارتكاب الجرم. ولذا فإن استعمال هذا الجهاز لا يجوز في التحقيق، ولا يعدو استعماله أكثر من إيلام نفسي للمتهم، وقد يكون بريئاً لأن الأصل براءة الذمة(4).

المطلب الرابع: التنويم المغناطيسي
ويعمل هذا بالتأثير على العقل الباطن بعد تنويم العقل الظاهر، وذلك عن طريق الإيحاء، فيقع الإنسان النائم تحت سيطرة المنوم، فيضيق الاتصال الخارجي للشخص الواقع تحت التنويم المغناطيسي، ويبقى اتصاله مقصوراً على شخصية المنوم الذي يحصل على كل ما يريد معرفته لتعطيله وظيفة العقل الظاهر للإنسان، وفي هذه الحال يصبح الإنسان فاقداً لإرادته واختياره، ويغدو آلة في يد المحقق(5)، وبمعنى آخر فإن التنويم المغناطيسي يهدف إلى شل بعض ملكات العقل الظاهر، مما يجعل الشخص المنوم يفضي بما في نفسه عن كل ما يقدم إليه من تساؤلات يرفض العقل الظاهر في حالة الوعي الكامل التصريح بها، ولا شك في أن هذا الأسلوب لا يجوز استخدامه شرعاً لأن الشريعة الإسلامية تعد الإرادة والإدراك مناط المسؤولية، ولذا كان الإقرار بطريق الإكراه غير صحيح شرعاً؛ لأن المكره فقد الإرادة والذي يقع تحت التنويم المغناطيسي أشد حالاً منه، لأنه فقد الإرادة والإدراك معاً، وفي الحديث: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»(6)، بالإضافة إلى ما في هذاالأسلوب من إهدار لكرامة الإنسان ومن التجسس على أسراره الذاتية التي لا يرغب في الكشف عنها، وقد نهى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عن التحسس والتجسس، وتتبع عورات الناس، وأمر بالتستر، وقد رفض معظم فقهاء القانون الجنائي هذا الأسلوب في التحقيق مع المتهم لما فيه من اعتداء صارخ على الحريات وانتهاك لأسرار الشخص، وذهب فريق آخر إلى جواز ذلك في حالات خاصة خصوصاً إذا كان بموافقة المتهم(7).



([1]) الخياط، عبد القادر، التطورات العلمية في ظل الواقع الأمني، بحث مقدم لمؤتمر الوقاية من الجريمة في عصر العولمة، مجلد 

3، ص632.

([2]) عاشور،محمد انور، المبادئ الأساسية في التحقيق الجنائي، عالم الكتب، القاهرة، 1969، ص150.

([3]) غازي، ابراهيم، التحقيقات والأدلة الجنائية، مطبعة الحياة، دمشق، 1959، ص324.

([4]) الملا، سامي، اعتراف المتهم، رسالة دكتوراه، جامعة القاص سنة 1969، ص136.

([5]) الشهاوي، قدري عبدالفتاح، أصول وأساليب التحقيق والبحث الجنائي، عالم الكتب، القاهرة، 1978، ص98.

([6]) سنن ابن ماجة (1/659).

([7]) النبراوي، محمد سامي، استجواب المتهم، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، القاهرة، 1968، ص189.

                   --------------------------

المطلب الخامس: استعمال العقاقير المخدرة
يقصد من إعطاء المتهم هذه العقاقير أن يكون في فترة التحقيق فاقداً لإرادته دون أن يكون فاقداً لإدراكه مما يسهل على المحقق أن يتحكم في إرادة المتهم، فيعبر عن مشاعره الداخلية(1)، وبمعنى آخر فإنه يهدف إلى تقليل سيطرة الإدارة وإظهار ما قبل الشعور مما يحمل الشخص على الحديث في حالة أشبه بالنوم أو حالة نصف شعورية عن طريق استخدام أحد العقاقير الكيميائية التي تؤثر في النهاية على الوظائف العليا لمراكز التفكير في العقل البشري(2) ويقول د. محمد صالح عثمان: إن استجابة الأشخاص لهذه العقاقير ذات درجات متفاوتة فبعض الأشخاص يستجيب بسهولة والبعض الآخر خصوصاً الذين اعتادوا الكذب فإنهم يظلون قادرين على الكذب رغم خضوعهم لمثل هذه العقاقير(3)،
 ومما هو معلوم أن الشريعة الإسلامية تحرم تعاطي هذه العقاقير المخدرة حفاظاً على عقل الإنسان وجسمه، ولا يجوز استعمال ما هو ممنوع شرعاً في التحقيق مع المتهم، بالإضافة إلى أن هذا الأسلوب يجعل الإنسان فاقداً لإرادته التي هي مناط التكليف، وفي هذا انتهاك لحرمة الإنسان وأسراره وتَحَسّسٌ عليها، وهو أمر غير جائز شرعاً.
وقد ذهب معظم فقهاء القانون الجنائي إلى عدم جواز استخدام هذا الأسلوب في التحقيق، ويرى بعضهم جواز ذلك في حالات خاصة خصوصاً إذا سبقت موافقة المتهم على استعمال هذا الأسلوب معه(4).

المطلب السادس: غسيل الدماغ
يعتمد هذا الأسلوب على تعرض الدماغ لتوترات وصدمات تؤدي إلى توقفه عن أداء وظائفه لتوقف الجهاز العصبي عن العمل، فيغدو الدماغ متقبلاً لإيحاءات المحقق، وهي بإيجاز تعمل على شل تفكير الإنسان وإخضاعه لسيطرة المحقق بحيث لا يقوى على المقاومة فيعترف بما لديه من معلومات(5).
ولا تختلف هذه الطريقة في حكمها الشرعي عن استعمال العقاقير المخدرة والتنويم المغناطيسي وجهاز كشف الكذب فهي غير جائزة شرعاً؛ لما تؤدي إليه من ضرر على الإنسان، بالإضافة إلى أنها من التحسس المحرم شرعاً، ولا يمكن اعتماد نتائجها كأدلة أو قرائن على الاتهام.



([1]) الكيلاني، فاروق، محاضرات في أصول المحاكمات الجزائية الأردني، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1981، (2/389).

([2]) عثمان، محمد صالح، عقاقير الحقيقة، مجلة الأمن العام عدد 59 ص 70.

([3]) المرجع السابق.

([4]) د. محمد سامي النبراوي: استجواب المتهم، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، القاهرة، 1968، ص473، والشوا، محمد سامي، 

الحماية الجنائية للحق في سلامة الجسم، رسالة دكتوراه، حقوق، عين شمس سنة 1986.

([5]) د. محمد صالح عثمان عقاقير الحقيقة، مجلة الأمن العام عدد 59 ص 70.

                   --------------------------

المطلب السابع: الكلاب البوليسية
يستخدم رجال الأمن الكلاب المدربة لتتبع آثار المجرم بعد وقوع الجريمة عن طريق الرائحة كما تستخدم الكلاب البوليسية في الكشف عن المخدرات عن طريق الرائحة(1).
ولا يعد استخدام هذه الوسيلة دليلاً مادياً على ارتكاب المتهم للجريمة؛ لأنه يمكن تضليل الكلاب فلا تصل إلى النتائج الصحيحة، كما أنه يعتمد على المهارة في تدريبها واستعمالها. ولهذا فإنه يمكن استخدامها في حفظ الأمن، والكشف عن المخدرات وتتبع آثار مرتكبي الجرائم. وتعد من القرائن الضعيفة على الاتهام، وينبغي أن لا يتوسع في استعمالها مع الناس كافة إلا في حالة تفشي الجرائم، أو في حالة وجود عصابات لتهريب المخدرات، أو عدم استتاب الأمن، فإن استعمالها مشروع حفاظاً على الأمن، ووقاية للمجتمع من الجرائم والمفسدين في الأرض.

المطلب الثامن: الإثبات بالبصمة الوراثية (الحمض النووي)
البصمة في اللغة: الختم أو العلامة، يقال بصم فلان أي ختم بطرف أصبعه(2).
 الوراثية: الانتقال، يقال ورث فلان فلاناً أي صار إليه ميراثه بعد موته، ومنه قوله تعالى على لسان زكريا: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}(3) أي ارزقني ولداً ينتقل إليه ميراثي بعد موتي.

وعلم الوراثة: هو العلم الذي يختص بدراسة انتقال الصفات الوراثية للكائن الحي من جيل إلى آخر(4).
ومعنى البصمة الوراثية: (العلامة أو الأثر الذي ينتقل من الأصل إلى الفرع أو من الآباء إلى الأبناء وفقاً لقوانين محددة)(5).
وعرفها المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بأنها (البينة الجينية التي تدل على هوية كل إنسان بعينه)(6) وهي وسيلة تمتاز بالدقة لتسهيل مهمة الطب الشرعي التي يمكن أخذها من أي خلية بشرية كالدم أو اللعاب أو المني أو البول أو غيره.

ويمكن عن طريق البصمة الوراثية تعيين هوية الإنسان عن طريق تحليل جزء أو أجزاء من حمض الدنا (DNA) المتمركزة في نواة خلية من خلايا جسمه ويظهر هذا التحليل في صورة شريط الصفات الوراثية من الأب وتمثل السلسلة الأخرى الصفات الوراثية من الأم.
ويوجد في جسم الإنسان ترليونات من الخلايا وكل خلية من هذه الخلايا تحتضن نواة تكون مسئولة عن حياة الخلية ووظيفتها وكل نواة تحتضن المادة الوراثية، وهذه المادة الوراثية تشكل خيوطاً أو أشرطة بشكل لولبي محكم وتسمى بالكروموسومات وعددها (46) كروموسوماً (23) من الأب و(23) من الأم وتتزاوج هذه الكروموسومات بحيث تظهر (23) زوجاً، وقد استطاع العلم الحديث التعرف عليها وتركيبها بحسب تسلسلها ابتداءً من الزوج الأول وانتهاء بالزوج الثالث والعشرين(7).
وأول من اكتشف البصمة الوراثية د. إليك جيفري عام 1985م(8).

خصائص البصمة الوراثية:
يمكن إجمال خصائص البصمة الوراثية في النقاط التالية:
1-  تؤخذ من كافة التلوثات السائلة والجافة والقديمة (من الدم واللحم والجلد والعظم والشعر، واللعاب والمخاط والمني).
2-  تظهر آثارها بواسطة خطوط يسهل قراءتها وتخزينها في الحاسب الآلي.
3-  تختلف البصمة الوراثية من شخص لآخر باستثناء القوائم المتماثلة من بويضة واحدة. كما أنها متطابقة في جميع خلايا الجسم ولا تتبدل ولا تتغير بمرور الزمن عليها.
4-  إن صدقية اختبارات البصمة الوراثية تصل نسبة اليقين فيها إلى 99.999% حتى عدّ بعض العلماء والفقهاء أن اختبار ال (DNA) سيد الادل(9).

حجية البصمة الوراثية
1- حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب أو نفيه:
تعتبر البصمة الوراثية قرينة قاطعة بثبوت النسب عند تطابق الصفات الوراثية للحمض النووي بين الابن وأبيه لأنه لا يوجد تشابه بين شخص وآخر في الحمض النووي ما عدا الابن مع والديه ولا تكفي قرينة التطابق لإثبات النسب إذا لم تكن مؤيدة بفراش الزوجية الصحيحة.
وإذا اختلف الصفات الوراثية بينهما فإنها دليل قاطع على عدم ثبوت النسب بينهما إذا لم تعارضها قرينة فراش الزوجية، فإن عارضتها قرينة الفراش فلا بد من مؤيد لها وهو نفي النسب باللعان، وإذا كان الإسلام قد أثبت النسب بالقافة لوجود الشبه فمن باب أولى أن يثبت النسب بالبصمة الوراثية ولذا جاء قرار مجمع الفقه الإسلامي ينص على جواز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في حالات التنازع على مجهول النسب، وحالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات ومراكز رعاية الأطفال وأطفال الأنابيب، وحالات ضياع الأطفال واختلاطهم بسبب الحوادث والكوارث وحالات عدم التعرف على الهوية أو القبيلة.
كما نص على أنه لا يجوز الاعتماد عليها في نفي النسب ولا يجوز تقديمها على اللعان.

2- حجية البصمة الوراثية في الحدود والقصاص:
لما كانت عقوبات الحدود والقصاص تدرأ بالشبهات ولا تقام إلا بالإقرار أو الشهادة أو بالقرينة التي لا يتطرق إليها الاحتمال كما هو معروف في موضعه، فإنها لا تقام بالبصمة الوراثية لأنها تعتبر قرينة ظنية في هذا المجال، فقد يحصل الحمل بالإكراه أو نتيجة لاستعمال المرأة خرقة ملوثة بماء الرجل، وقد قرر المجمع الفقهي الإسلامي المنعقد بمكة المكرمة في دورته السادسة عشرة سنة 2002 جواز الأخذ بالبصمة الوراثية في الإثبات الجنائي في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص تطبيقاً للحديث الشريف «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ».

وهذا ما قرره المؤتمر الذي عقدته المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت عام 1998 من أن البصمة الوراثية بينة تفصيلية تدل على هوية الأشخاص وتعد وسيلة لا تخطئ في التحقق من الشخصية وبالخصوص في مجال الطب الشرعي إلا أنها لا ترتقي إلى مستوى القرائن القطعية في قضايا الحدود الشرعية عند جمهور الفقهاء(10).




([1]) التحقيقات والأدلة الجنائية: إبراهيم غازي، ص355.

([2]) المعجم الوسيط: إعداد مجمع اللغة العربية، ط3، مادة: بصم (1/60).

([3]) سورة مريم: 5، 6.

([4]) الهلالي، سعد الدين بن مسعد، البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية، مجلس النشر العلمي، الكويت، سنة 2001، ص25.

([5]) المرجع السابق.

([6]) مجمع الفقه الإسلامي، رابطة العالم الإسلامي، الدورة السادسة عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة سنة 2002م.

([7]) فرحات، وفاء، موسوعة علم الأحياء، منشورات دار اليوسف، ط1، سنة 2005، ص213.

([8]) المرجع السابق.

([9]) غنيم، كارم السيد، الاستنساخ والانجاب بين تجريب العلماء وتشريع السماء، دار الفكر العربي، ط1، القاهرة سنة 1998م

 ص119.

([10]) قرارات مؤتمر منظمة الصحة العالمية والمنظمة الإسلامية للتربية والتعليم والثقافة سنة 1998، وانظر البصمة الوراثية

 وعلائقها الشرعية  لسعد الله بن مسعد الهلالي ص70.


                   --------------------------

التوصيات

1-  القرينة هي الأمارة التي نص عليها الشارع أو استنبطها أئمة الاجتهاد أو استنتجها القاضي من الحادثة وظروفها وما يكتنفها من أحوال.
2-  القرائن من أدلة الإثبات غير المباشرة في المعاملات المالية والأحوال الشخصية والعقوبات.
3-  القرائن مصدرها قرائن نصية وهي ما نص الشارع عليها في القرآن أو السنة، وقرائن فقهية وهي التي استنبطها الفقهاء وجعلوها أدلة على أمور أخرى واعتدوا بها في الأحكام، فإذا أجمع الفقهاء عليها فإنه تكون في حكم القرائن الشرعية النصية.
4-  يعمل بالقرائن بشروط أهمها أن تكون دلالتها قوية وأن لا يعارضها دليل شرعي أو قرينة أخرى أقوى منها وأن يكون المرجع في تقدير القرائن من له علم بها كالفقيه أو القاضي.
5-  يعتبر التسجيل والتصوير قرينة ضعيفة في الإثبات تحتاج إلى مؤيدات أخرى ولا يحكم بها منفردة. ويجوز استعمالها لجمع البيانات عن المجرمين وتسجيلها وتصويرها ولا يجوز استعمالها للتجسس على أسرار الناس وحياتهم.
6-  لا تعتبر الآثار وتحليل البصمات دليلاً مادياً قطعياً (قرينة قطعية في الإثبات) وتقبل إثبات عكسها.
7-  لا يجوز اللجوء لتحليل الدم إلا عند نفي النسب أو اختلاط المواليد.
8-  يمكن الاعتماد على قرينة فصائل الدم إذا قذف الزوج زوجته بالزنا ونفى نسب الولد إليه، فإذا اختلفت الفصائل بينه وبين المولود كانت دليلاً قاطعاً على عدم ثبوت النسب بينهما وإذا كانت الفصائل بينهما مشتركة فلا بد لنفي النسب من الملاعنة.
9-  لا تعتبر القرينة المستفادة من استعمال جهاز كشف الكذب أو التنويم المغناطيسي أو استعمال العقاقير المخدرة أو غسيل الدماغ من أدلة الإثبات ولا يجوز شرعاً استعمالها فهي محرمة شرعاً.
10-              تعتبر القرينة المستفادة من الكلاب البوليسية قرينة ضعيفة تحتاج إلى مؤيدات خرى ويجوز إثبات عكسها والأصل الاقتصار على استعمالها في حالات خاصة كالكشف عن المخدرات والمحافظة على الأمن العام.
11-              تعتبر قرينة البصمة الوراثية قرينة قاطعة لثبوت النسب عند تطابق الصفات الوراثية للحمض النووي بين الابن وأبيه وتعتبر قرينة قطعية على عدم ثبوت النسب بينهما عند اختلاف الصفات الوراثية ولما كان فراش الزوجية قرينة قوية معارضة لها فإنه يجب أن يؤيد نفي النسب باللعان، ولا تعتبر حجة قاطعة في الحدود والقصاص.
----------------------------------------------------------- 
   
المراجع

1. ابن أبي الدم: أدب القضاء، مطبعة الإرشاد، بغداد سنة 1984م.
2. ابن القيم، ابو عبدالله شمس الدين محمد بن ابي بكر، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تحقيق محمد جميل غازي، مكتبة المدني، سنة 1977م.
3. ابن حزم، علي بن احمد ابو محمد، المحلى، تحقيق محمد منير الدمشقي، ادارة الطباعة والمنيرية، مصر، 1351هـ.
4. ابن رشد، ابو الوليد محمد بن احمد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الحديث، القاهرة، 2004.
5. ابن عابدين، حاشية ابن عابدين، دار الحلبي، سنة 1386هـ.
6. ابن فرحون، ابراهيم بن علي، تبصرة الحكام، مكتبة الكليات الازهرية، ط1، 1406.
7. ابن ماجة، ابو عبد الله محمد بن فريد القزويني، سنن ابن ماجة، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار احياء الكتب العربية، فيصل البابي الحلبي.
8. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر، بيروت.
9. ابن نجيم، زين الدين بن ابراهيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار المعرفة، بيروت.
10. أبو السعود، رمضان، أصول الإثبات في المواد المدنية والتجارية، الدار الجامعية، بيروت، 1985.
11. أبو الوفاء، احمد، الإثبات في المواد المدنية والتجارية، الدار الجامعية، بيروت، سنة 1983.
12. البخاري، محمد بن اسماعيل، صحيح البخاري، تحقيق زهير بن ناصر، دار طوق النجاة، ط1، 1422هـ.
13. البهي، احمد عبد المنعم، من طرق الإثبات في الشريعة والقانون، دار الفكر العربي، ط1، سنة 1965م.
14. البيهقي، احمد بن الحسين، السنن الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1994.
15. البيهقي، احمد بن الحسين،  معرفة السنن والآثار، تحقيق عبدالمعطي امين قلعجي، جامعة الدراسات الاسلامية، كراتشي، باكستان، (دار قتيبة، دمشق، بيروت)، دار الوعي حلب دمشق، دار الوفاء المنصورة القاهرة، ط1، 1991م.
16. الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، تحقيق احمد شاكر ومحمد فؤاد عبدالباقي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1975.
17. الجعافرة، عماد، أدلة الإثبات بالقرائن في القانون المدني، رسالة ماجستير في الجامعة الاردنية، باشراف الدكتور وليد القسوس، 1998.
18. والخرشي، محمد بن عبدالله، حاشية الخرشي، دار الفكر للطباعة، بيروت.
19. الخياط، عبد القادر، التطورات العلمية في ظل الواقع الأمني، بحث مقدم لمؤتمر الوقاية من الجريمة في عصر العولمة، مجلد 3.
20. دبور، انور، القرائن ودورها في الإثبات الجنائي الإسلامي ، دار الثقافة العربية، القاهرة، 1985.
21. الرملي، شمس الدين محمد بن ابي العباس،  نهاية المحتاج، دار الفكر، بيروت، 1984.
22. الزرقا، مصطفى، المدخل الفقهي العام، دار القلم، دمشق، ط1، 1998.
23. السجستاني، سليمان بن الاشعث، سنن أبي داود، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت.
24. السقا، حميد كامل، الحكم بالقرائن والقيافة وعلم القاضي، رسالة دكتوراه.
25. السويدان، مفيد، نظرية الاقتناع الذاتي للقاضي الجنائي، رسالة دكتوراه، الناشر المؤلف نفسه، القاهرة، 1985.
26. السيوطي، زين العابدين بن محمد المدعو عبد الرؤوف بن تاج العارفين، الجامع الصغير بشرح فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط1، 1356هـ.
27. الشرفي، عبد الرحمن محمد عبد الرحمن، تعارض البينات القضائية في الفقه الإسلامي ، مطبعة الكاملابي، القاهرة، ،1986.
28. الشوا، محمد سامي، الحماية الجنائية للحق في سلامة الجسم، رسالة دكتوراه، حقوق، عين شمس سنة 1986.
29. الشهاوي، قدري عبدالفتاح، أصول وأساليب التحقيق والبحث الجنائي، عالم الكتب، القاهرة، 1978.
30. الطرابلسي، ابو الحسن علي بن خليل، معين الحكام، دار الفكر، بدون طبعة، وبدون تاريخ.
31. عابد، عبد الحافظ، الإثبات الجنائي بالقرائن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 2003م.
32. عاشور، محمد انور، المبادئ الأساسية في التحقيق الجنائي، عالم الكتب، القاهرة، 1969.
33. عثمان، قيس عبد الستار، القرائن القضائية ودورها في الإثبات، بيروت، 1984.
34. عثمان، محمد رأفت، القضاء بالقرائن في الفقه الإسلامي، مجلة كلية الشريعة والقانون بجامعة الإمارات العربية عدد 2 سنة 1988.
35. عثمان، محمد صالح، عقاقير الحقيقة، مجلة الأمن العام عدد 59.
36. العمروسي، انور، أصول المرافعات الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية، دار الطباعة الراقية، ط7.
37. غازي، ابراهيم، التحقيقات والأدلة الجنائية، مطبعة الحياة، دمشق، 1959.
38. غنيم، كارم السيد، الاستنساخ والانجاب بين تجريب العلماء وتشريع السماء، دار الفكر العربي، ط1، القاهرة سنة 1998م.
39. فتح الله، فتح الله زيد، حجية القرائن في القانون والشريعة، رسالة دكتوراه.
40. فراج، احمد، أدلة الإثبات في الفقه الإسلامي، دار الجامعة الجديدة، الاسكندرية.
41. فرج، توفيق حسن، قواعد الإثبات في المواد المدنية والتجارية، مؤسسة الثقافة الجامعية، الاسكندرية، 1985.
42. فرحات، وفاء، موسوعة علم الأحياء، منشورات دار اليوسف، ط1، سنة 2005.
43. القرافي، شهاب الدين احمد بن ادريس، الفروق، عالم الكتب.
44. القرطبي، ابو عبدالله محمد بن احمد، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق احمد البردوني وابراهيم طفيش، دار الكتب العلمية، القاهرة، ط2، 1964م.
45. الكيلاني، انس، موسوعة الإثبات في القضايا المدنية والتجارية ، ط1، سنة 1978.
46. الكيلاني، فاروق، محاضرات في أصول المحاكمات الجزائية الأردني، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1981.
47. مالك بن انس، موطأ مالك، تحقيق بشار عواد ومحمود خليل، مؤسسة الرسالة، 1412.
48. مرقس، سليمان، أصول الإثبات وإجراءاته في المواد المدنية في القانون المصري، عالم الكتب، القاهرة، 1981.
49. المصاروة، يوسف محمد، الإثبات القرائن في المواد المدنية والتجارية، مكتبة دار الثقافة، عمان، ط1، سنة 1996.
50. الملا، سامي، اعتراف المتهم، رسالة دكتوراه، جامعة القاص سنة 1969.
51. النبراوي، محمد سامي، استجواب المتهم، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، القاهرة، 1968.
52. النووي، ابو زكريا يحيى بن شرف، المنهاج شرح صحيح مسلم، دار احياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1392هـ.
53. الهلالي، سعد الدين بن مسعد، البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية، مجلس النشر العلمي، الكويت، سنة 2001.
54. يوسف، عبد الحسيب عبد السلام، القاضي والبينة، مكتبة المعلا، الكويت، ط1، سنة 1987.
55. موسوعة عبد الناصر للفقه الإسلامي، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
56. المعجم الوسيط: إعداد مجمع اللغة العربية، ط3.
57. مجمع الفقه الإسلامي، رابطة العالم الإسلامي، الدورة السادسة عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة سنة 2002م.
58. قرارات مؤتمر منظمة الصحة العالمية والمنظمة الإسلامية للتربية والتعليم والثقافة سنة 1998.
59. مجلة الأحكام العدلية المادة 1741.

No comments:

Post a Comment