الملخص
اقتضت المعاملات المالية
البينية بين المؤسسات الانتاجية والأفراد أو بينها وبين المؤسسات الأخرى في داخل
الدولة أو خارجها ابتكار صيغة تحقق لكل منهم قدراً من الطمأنينة والثقة بين
المتعاملين ومن هذه الأدوات أو الصيغ خطابات الضمان، ويتناول البحث التعريف بها
وبيان حقيقتها ومقوماتها وأنواعها وخصائصها وأهميتها، والتكييف الفقهي لأنواع
خطابات الضمان عند العلماء المعاصرين
وحكم أخذ البنوك الاسلامية عمولة على خطابات الضمان.
Abstract
The
financial transactions between the productive institutes and the individuals or
other institutes in or outside the state required an innovation of new formula,
that offers the users tranquility and trust, which is warranty papers. And this
research handles it`s definition, constituents, kinds, properties and
importance. Besides the status for it`s different types, according to the
contemporary scholars and that the Islamic banks mandates taking commission for
these papers.
((بسم الله الرحمن الرحيم))
أهمية البحث:
استجدت في هذا العصر بعض المعاملات التي لم تكن معروفة
في الأزمنة السابقة ومن هذه المعاملات "خطاب الضمان المصرفي" وقد انتشر
التعامل بهذا الأسلوب ولهذا كانت الحاجة لبيان الحكم الشرعي فيها ملحة، وقد بحث
مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره
الثاني بجدة سنة 1985م هذه المسألة واتخذ القرارات بشأنها كما أن المعايير الشرعية
لهيئة المحاسبة قد وضعت ضوابطها وأحكامها والتي كانت في مجملها تتفق مع قرارات
مجمع الفقه الإسلامي كما تناولها بالبحث والدراسة عدد من العلماء وسأتناولها بشيء
من الإيجاز.
مشكلة البحث:
يمكن إيجاز مشكلة البحث في الأسئلة الآتية:
1- ما المقصود بخطاب الضمان و ما مقوماته و خصائصه و أنواعه و أهميته؟
2- ما التكييف الفقهي لخطاب الضمان؟
3- ما الأحكام الفقهية المتعلقة بخطاب الضمان؟
خطة البحث:
جاء البحث في بحثين:
- المبحث الأول في تعريف خطاب الضمان و مقوماته و خصائصه و
أنواعه و أهميته.
- المبحث الثاني في التكييف الفقهي لخطاب الضمان و بيان
أحكامه.
المبحث الأول: تعريف خطاب الضمان ومقوماته وخصائصه
وأهميته
أولاً: تعريف خطاب الضمان:
الخطاب في اللغة: الكلام والرسالة، وفي التنْزيل {أَكْفِلْنِيهَا
وَعَزَّنِي فِي الْخِطَاب}
1)(2) والضمان:من ضَمِن الشيء (بالكسر) ضماناً كفل به فهو ضامن وضمين، وضمّنه الشيء تضميناً مثل غرمه(3).
1)(2) والضمان:من ضَمِن الشيء (بالكسر) ضماناً كفل به فهو ضامن وضمين، وضمّنه الشيء تضميناً مثل غرمه(3).
فالضمان يطلق في اللغة على معان: منها الالتزام ومنها
الكفالة ومنها التغريب وكل معانيه تدور على التزام الضامن لشيء معين(4).
أما الضمان في الاصطلاح الفقهي فهو "التزام دين أوإحضارعين أو بدن"(5).
وعليه فإن تعريف خطاب الضمان كمركب إضافي بصفته عملية
مصرفية هو: "تعهد كتابي نهائي يصدر من البنك بناء على طلب عميله – ونسميه الآمر
– بدفع مبلغ نقدي معين أو قابل للتعيين بمجرد أن يطلب المستفيد ذلك من البنك خلال
مدة محددة ودون التوقف على شرط آخر"(6).
وعرفه بعضهم بأنه: "تعهد كتابي يتعهد بمقتضاه
المصرف بكفالة أحد عملائه (طالب الإصدار) في حدود مبلغ معين، تجاه طرف ثالث
بمناسبة التزام ملقى على عاتق العميل المكفول، وذلك ضماناً لوفاء هذا العميل
بالتزامه تجاه ذلك الطرف خلال مدة معينة على أن يدفع المصرف المبلغ المضمون عند
أول مطالبة خلال سريان خطاب الضمان دون التفات لما يبديه العميل من المعارضة(7).
فخطاب الضمان إحدى العمليات الائتمانية التي تقدمها
البنوك لعملائها، فحين يريد العميل الدخول في التزام ما، ويطلب الطرف الذي يريد
العميل الالتزام معه (المستفيد) ضماناً لجدية هذا الالتزام، فعوضاً عن دفع العميل
جزءاً من ماله للمستفيد وتجميده فإنه يلجأ إلى البنك ليبرم معه عقد اعتماد ضمان
ويتفق في هذا العقد على أن يصدر البنك خطاب الضمان لصالح المستفيد وبالشروط التي
يطلبها العميل.
ففي خطاب الضمان لا يقدم البنك المال فوراً للعميل،
وإنما يتعهد فقط بأن يدفع إلى شخص يعيّنه العميل – عادة يكون دائناً حالاً أو
احتمالياً – مبلغاً معيناً أو قابلاً للتعيين عند طلب ذلك الدائن، والبنك لا يدفع
بذلك شيئاً عند إصدار هذا الخطاب، ولذلك قيل: إن البنك وإن كان لا يقرض العميل
المال حالاً إلا أنه يقرضه توقيعه(8).
ثانياً: مقومات خطاب الضمان وخصائصه
ينشئ خطاب الضمان علاقات بين أطراف ثلاث
هي:
أ. العميل (الآمر بإصدار
الخطاب).
ب.البنك
ج.المستفيد.
فعلاقة العميل بالمستفيد قد تكون بيعاً أو مقاولة أو أي
عقد آخر، وعلاقة العميل
بالمصرف هي تعهد بأداء التزام واجب عليه في زمن محدد لطرف
ثالث هو
المستفيد.
وعلاقة المصرف بالمستفيد هي أداء الحق المالي الواجب في
ذمة العميل
للمستفيد عند المطالبة به قبل انتهاء مدة الخطاب، وهذه العلاقات لا
تتداخل ولا
يؤثر بعضها في بعض، ويترتب على أطرافها التزامات(9).
وعليه فإن مقومات هذا العقد هي الصيغة وأطراف العقد
(العميل والمصرف)
ومحل العقد وهو التزام بأداء الدين (دفع مبلغ معين أو قابل
للتعيين) الواجب
في ذمة العميل.
ويلاحظ من التعريفات السابقة أن خطاب الضمان عقد رضائي
لا ينعقد إلا
بتوافق الإرادتين (العميل والمصرف) عند إبرام العقد، ففيه إيجاب من
العميل
طالب خطاب الضمان وفيه قبول من جانب المصرف.
ويظهر أثره إذا لم يرفض الخطاب في فترة
زمنية محددة، كما أن خطاب
الضمان فيه معاوضة بين المصرف والعميل فالمصرف يأخذ
العمولة مقابل
إصداره الخطاب والعميل يحصل على الخطاب الذي فيه ضمان المصرف بدفع
الالتزام للمستفيد.
كما
أن كفالة المصرف للمستفيد بدفع الالتزام مستقلة عن التزام العميل،
فالمصرف ملتزم تجاه المستفيد
بدفع المبلغ المحدد في الخطاب عند أول طلب
له، ولا يتوقف هذا الالتزام على تقصير العميل، ولا على أي أمر آخر، وهذا
الأمر يبعد
خطاب الضمان عن حقيقة الكفالة التي يحق للمدين مطالبة كل من
المدين والكفيل، أو مطالبة الكفيل
عند تقصير الدائن أو جحده. ففي
خطاب
الضمان يدفع المصرف الالتزام دون الالتفات إلى أي شرط أو أمر آخر.
خطاب الضمان يجعل المصرف مديناً للمستفيد، ولا يلتفت إلى المدين وهو
العميل، وهذا يعني كما يقول د. الصوا "أن تطوراً قد طرأ على حقيقة خطاب
الضمان في العقود الثلاثة الماضية ويؤكد ذلك أن نمطاً آخر من تعاريفه انطوى
على قيود جديدة وخصائص ذاتية تبعده عن حقيقة الكفالة المعروفة في الفقه
والقانون"(10).
فالمصرف
يلتزم أمام المستفيد بوصفه مديناً أصيلاً أمام المستفيد، لا بوصفه
نائباً عن العميل فالخطاب وحده هو الذي يحكم العلاقة بين المصرف والمستفيد
وهي علاقة مستقلة تماماً عن العميل وهذا يبعد أيضاً خطاب الضمان عن
الكفالة.
كما يفهم مما سبق أن خطاب الضمان يعتبر التزاماً شخصياً من المصرف تجاه
المستفيد، فليس للمستفيد التنازل عنه لأي شخص آخر كالأوراق التجارية،
والمصرف يتحرر تلقائياً إذا لم تصله مطالبة من العميل قبل انتهاء تاريخ
الخطاب. ويتفق خطاب الضمان مع الكفالة بأن الغاية بالنسبة لكل منهما هي غاية
تأمينية فهو أداة ضمان وليس أداة وفاء كالأوراق التجارية (الشيك أو الكمبيالة
أو السند).
نائباً عن العميل فالخطاب وحده هو الذي يحكم العلاقة بين المصرف والمستفيد
وهي علاقة مستقلة تماماً عن العميل وهذا يبعد أيضاً خطاب الضمان عن
الكفالة.
كما يفهم مما سبق أن خطاب الضمان يعتبر التزاماً شخصياً من المصرف تجاه
المستفيد، فليس للمستفيد التنازل عنه لأي شخص آخر كالأوراق التجارية،
والمصرف يتحرر تلقائياً إذا لم تصله مطالبة من العميل قبل انتهاء تاريخ
الخطاب. ويتفق خطاب الضمان مع الكفالة بأن الغاية بالنسبة لكل منهما هي غاية
تأمينية فهو أداة ضمان وليس أداة وفاء كالأوراق التجارية (الشيك أو الكمبيالة
أو السند).
([10]) د. علي الصوا:
خطابات الضمان كما تجريها البنود الإسلامية وأحكامها الشرعية، مجلة دراسات، علوم
الشريعة والقانون، الجامعة الأردنية، مجلد 23، العدد 1/1996، ص155.
--------------------
خصائص خطاب الضمان:
ويمكن أن نوجز أهم خصائص خطاب الضمان فيما يلي(1):
1- استقلال التزام المصرف في خطاب الضمان تجاه المستفيد عن
التزام العميل تجاه المستفيد فلا ارتباط بين علاقة المصرف بالمستفيد وعلاقة العميل
بالمستفيد، وعليه فلا يستطيع المصرف رفض دفع الالتزام الوارد في الخطاب للمستفيد
بناء على طعن العميل أو علاقة العميل بالمصرف.
2- أن التعهد في خطاب الضمان مستحق الدفع فوراً عند طلب
المستفيد وحسب التاريخ المحدد.
3- إن مضمون الالتزام
الوارد في الخطاب من المصرف للمستفيد لا يتوقف على عنصر خارج عن الخطاب، وإنما هو
ناشئ عن الخطاب نفسه وهذا ما يحقق الطمأنينة للمستفيد ويجعل الخطاب يحل محل
التأمين النقدي تماماً.
([1]) في خصائص خطاب
الضمان راجع عماد أبو صد، أحكام خطابات الضمان المصرفية، رسالة ماجستير الجامعة
الأردنية، ص14، 15.
ود. جمال الدين عوض، عمليات البنوك من الوجهة القانونية، ص485.
ود. جمال الدين عوض، عمليات البنوك من الوجهة القانونية، ص485.
--------------------
ثالثاً: أنواع خطاب الضمان
يمكن تقسيم خطابات الضمان باعتبارات منها:
1)خطابات الضمان بحسب الغرض منها وهي أنواع عدة أهمها(1):
أ)خطابات الضمان التي تصدر للتمكن من الاشتراك في المناقصات والمزايدات. وتتمثل في الصور الآتية:
أ)خطابات الضمان التي تصدر للتمكن من الاشتراك في المناقصات والمزايدات. وتتمثل في الصور الآتية:
الصورة الأولى:
خطاب
الضمان الابتدائي أو المؤقت: وتطلبه الجهة الطارحة للمناقصة أو
المزايدة حتى تضمن عدم تراجع مقدم الغطاء إذا تغيرت الأسعار أو تبين له خطأ في
تقديره فتشترط تقديم تأمين نقدي أو خطاب ضمان بنسبة معينة من قيمة العطاء تتراوح
من 5%-10% من قيمته، فالغرض من هذا الخطاب ضمان جدية مقدم العطاء لئلا ينكل بعد
رسو العطاء عليه مما يلحق ضرراً بصاحب المشروع، وسمي ابتدائياً أو مؤقتاً لأنه
ينتهي الغرض منه بعدم رسو المزاد أو المناقصة على العميل أو برسوها عليه وتقديمه
التأمين النهائي.
الصورة الثانية:
خطاب الضمان النهائي: وهو الذي يقدم بعد رسو العطاء على صاحبه وتوقيع العقد مع الجهة
صاحبة المزايدة أو المناقصة لضمان حسن تنفيذ العملية وبالتالي تضمن تلك الجهة عدم
خسارتها في حال الإخلال بمقتضى العقد وتكون قيمة هذا الخطاب عادة بما يعدل 10%-25%
من قيمة العطاء.
ب)خطابات الضمان المتعلقة بعقود التوريد والمؤسسات المهنية أو الملاحة البحرية أو الجمركية ولها صور منها:
ب)خطابات الضمان المتعلقة بعقود التوريد والمؤسسات المهنية أو الملاحة البحرية أو الجمركية ولها صور منها:
الصورة الأولى:
خطاب ضمان عقود التوريد: ويقدم هذا الخطاب في حالة الدفعات المقدمة التي يحصل عليها الموردون من
قيمة أوامر التوريد التي تصدر إليهم ولا تصرف هذه الدفعات إلا مقابل خطابات ضمان
عنها.
الصورة الثانية:
خطابات ضمان المؤسسات المهنية: وهي التي تطلب ممن يرغبون مزاولة مهنة معينة كشرط من
شروط مزاولة تلك المهنة مثل المخلص الجمركي وأصحاب المستودعات وغيرهما.
الصورة الثالثة:
خطابات الضمان الملاحية: وفيها يقدم المستورد (العميل) إلى وكيل شركة الملاحة بالميناء خطاب ضمان
مصرفي بقيمة الشحنة الواردة في حال تأخر وصول مستندات الشحن وبذلك يسلمه الوكيل
الشحنة مطمئناً أنه إذا لم تصل المستندات في الوقت المناسب فإن البنك يقوم بدفع
قيمة الخطاب المساوية لقيمة البضاعة، وعندما ترد المستندات يقدمها العميل أو البنك
إلى وكيل شركة الملاحة مقابل استرداد خطاب الضمان وبذلك يحفظ المستورد بضاعته من
الضرر أو الخسارة جراء الانتظار لحين وصول المستندات وتحفظ شركة الملاحة حقها.
الصورة الرابعة:
خطابات الضمان الجمركية.
2) تقسم خطابات الضمان باعتبار تقييدها بالشرط أو عدم
تقييدها به إلى نوعين:
أ)خطابات الضمان المشروطة: وهي التي يحدد استحقاق تسلم المستفيد للمبلغ
المحدد في الخطاب عند حصول تقصير من العميل، وتقديم المستفيد سندات تثبت تقصيره
وعندئذ يتم تسليمه المبلغ دون النظر إلى طعن العميل فيها.
وهذا النوع قل ما يتم التعامل به نظراً لأن الخطاب لا
يوفر الضمانات الكافية للمستفيد.
ب)خطابات الضمان غير المشروطة: وهي التي يستحق المستفيد المبلغ المحدد في الخطاب بمجرد الطلب دون أن يتوقف التسليم على أي شرط.
وهذا النوع هو ما استقر عليه العمل المصرفي، لأن توقف الوفاء بخطاب
الضمان على شرط (كما في الصورة الأولى) يخرج خطاب الضمان عن
أداء وظيفته. وعليه فإن البحث سينصب على هذا النوع من الخطابات(2).
ب)خطابات الضمان غير المشروطة: وهي التي يستحق المستفيد المبلغ المحدد في الخطاب بمجرد الطلب دون أن يتوقف التسليم على أي شرط.
وهذا النوع هو ما استقر عليه العمل المصرفي، لأن توقف الوفاء بخطاب
الضمان على شرط (كما في الصورة الأولى) يخرج خطاب الضمان عن
أداء وظيفته. وعليه فإن البحث سينصب على هذا النوع من الخطابات(2).
([1]) د. علي الصوا،
خطابات الضمان كما تجريها البنوك الإسلامية وأحكامها، مجلة دراسات علوم الشريعة
والقانون، الجامعة الأردنية، مجلد 23، العدد 1، سنة 1996، ص151، و د. محيي الدين
إسماعيل، موسوعة أعمال البنوك، ص544، وما بعدها، وعماد أبو صد، أحكام خطابات
الضمان ص38، ونادية القليوبي، النظام القانوني لخطابات الضمان، ص14-16.
--------------------
شروط المصارف لإصدار خطابات الضمان
تشترط المصارف عادة لإصدار خطابات الضمان شروطاً تتمثل
فيما يأتي:
-أن يقدم العميل ضمانات مناسبة كرهن أو كفالة.
- أن يقدم العميل تأميناً نقدياً وهو ما يسمى بغطاء خطاب
الضمان، وقد يكون
هذا الغطاء كلياً يغطي قيمة خطاب الضمان وحينئذ لا يجوز للعميل
التصرف في
هذا المبلغ النقدي حتى ينتهي التزام البنك الناشئ عن خطاب الضمان. وقد يكون
العطاء جزئياً يغطي العميل جزءاً منه.
- أن يدفع العميل للمصرف عمولة لقاء إصدار خطاب الضمان(1).
--------------------
المبحث الثاني:التكييف الفقهي لخطاب الضمان وأحكامه
ذهب الكثير من الباحثين إلى تكييف خطاب الضمان على أساس
إلحاقه بعقد من العقود المسماة وذهب آخرون إلى اعتباره عقداً جديداً لا يمكن
إلحاقه بأي من العقود المسماة التي تجعله يختلف عنها وهذا بيان موجز لأقوالهم في
المسألة موضوع البحث:-
القول الأول: أن خطاب الضمان وكالة في جميع حالاته مغطى أم غير
مغطى(1).
مغطى(1).
فحسب هذا التكييف فإن العميل يوكل المصرف بدفع التأمين
النقدي للمستفيد من مال العميل إذا كان الخطاب مغطى، ومن مال المصرف إذا كان
الخطاب غير مغطى ثم يرجع المصرف على موكله لاحقاً، والمصرف ملزم بتقديم خطاب
الضمان كحق وواجب للعميل على المصرف لأن الوكالة هنا بأجر، هذا من ناحية، ومن
ناحية أخرى فإن خطاب الضمان في ظاهره كفالة بالأمر والكفالة بالأمر في حقيقتها
وكالة.
يقول د. سامي حمود: "وإن تكييف خطاب الضمان على أنه وكالة لا يبدو متبايناً مع نظرة الفقه الإسلامي للموضوع في نطاق الكفالة بالأمر التي يرجع فيها الكفيل بما يدفع على من أمره بذلك تماماً كما يرجع الوكيل لأن الكفالة بالأمر ما هي إلا وكالة بالأداء"(2).
وبناء على هذا القول يجوز للمصرف أخذ عمولة على عملية
خطاب الضمان لأن الوكالة بأجر تجوز كما هو معروف فتخرج العمولة على أنها أجرة على
الوكالة.
ونوقش هذا القول بأن:
الوكالة هي: "استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله
النيابة"(3)
فالوكيل هو نائب عن موكله فقط وهي وإن كانت تصلح لتفسير العلاقة بين العميل
والمصرف لكنها لا تصلح لتفسير علاقة المصرف بالمستفيد، لأنه لا يعتبر في علاقته مع
المستفيد نائباً عن العميل وإنما يلتزم بدفع الدين باعتباره أصيلاً لا نائباً عن
العميل، وتبرأ بذلك ذمة العميل تجاه المستفيد وهذا يخالف التزام الوكيل في عقد
الوكالة لأن المصرف يلتزم بتنفيذ ما تعلق بذمته لا ما بذمة العميل، كما أن الآثار
المترتبة على خطاب الضمان من وجوب دفع المصرف الالتزام رغم اعتراض العميل، لا يتفق
مع أحكام الوكالة التي تقضي بأن للأصيل أن يمنع الوكيل من التصرف، بل له أن يعزله،
وهنا لا يملك العميل عزل المصرف بعد إصداره خطاب الضمان، وفي الوكالة لا تبرأ ذمة
الأصيل بمجرد تعيين وكيل عنه خلافاً لخطاب الضمان كما سبق القول.
إن القول بأن الكفالة بالأمر ما هي إلا وكالة في حقيقتها
يجانب الصواب، وذلك أن الكفالة شيء والوكالة شيء آخر؛ "فالكفالة بالأمر لم
تتغير فيها الحقيقة الشرعية وهي شغل الذمتين بحق واحد ومعظم الكفالة التي تتم إنما
تتم بالأمر من المكفول عنه وهذا الأمر لا يغير من الطبيعة الشرعية التي تقوم عليها
الكفالة وإلا نكون قد فرغنا الكفالة من محتواها ومن مضمونها لمجرد وجود هذا الأمر
فالوكالة شيء والكفالة شيء آخر، الوكالة فيها التزام أما الكفالة ففيها شغل ذمتين
بحق واحد"(4).
هذا إذا لم يكن خطاب الضمان غير مغطى بالكامل أو كان مغطى جزئياً.
أما إذا كان الخطاب مغطى بالكامل من العميل فهو عقد
وكالة على اعتبار أن العميل يعطي هذا الغطاء للمصرف ليسد به الدين إذا طولب به
فيصبح المصرف وكيلاً عن العميل في دفع هذا المال للمستفيد وهذا ما أخذ به المجمع
الفقهي حيث جاء في قراره: "وإن كان خطاب الضمان بغطاء فالعلاقة بين طالب خطاب
الضمان وبين مصدره (البنك) هي الوكالة"(5).
وهذا واضح في حالة الغطاء النقدي، أما إذا كان الغطاء من
غير النقود فإنه يكون بمثابة الرهن عند المصرف ولا يصح تخريجه على الوكالة، وهذا
الإشكال يمكن تجاوزه لأنه يمكن للإنسان أن يوكل شخصاً بقضاء دينه عنه من ماله –
مال الوكيل – ثم يرجع الوكيل بعد ذلك على الموكل بما دفع ويأخذ أجراً – أي عمولة
-.
جاء في حاشية ابن عابدين: "والوكيل بقضاء
الدين من ماله أو مال موكله لا يجبر عليه إذا لم يكن للموكل على الوكيل
دين... وحاصله أنه لا يجبر إذا لم يكن عند الوكيل مال ولا دين... فلا يجبر الوكيل إذا امتنع عن فعل ما وكل فيه إلا في مسائل
لكونه تبرعاً وظاهر الأشباه أن التوكيل بأجر يجبر"(6).
--------------------
القول
الثاني: أن
خطاب الضمان كفالة بالدين وذلك في معظم حالاته.
قال
د. سامي حمود: "ويبدو للنظرة الأولى
أن معظم الحالات التي يستخدم فيها خطاب الضمان من نوع كفالة الدين إلا الخطاب
المقدم للشاحنين أو وكلائهم فهو نوع من ضمان الدرك"(1).
وممن قال بهذا الدكتور الصديق الضرير وبكر أبو زيد.
واستدلوا لذلك بأن كلاً من خطاب الضمان والكفالة في
الفقه الإسلامي متفقان من حيث المعنى فالمصرف كالكفيل من حيث الوفاء بالتزام
المكفول، والعميل كالمكفول عنه والمستفيد كالمكفول له، والحق الموثق بخطاب الضمان
هو المكفول به وكلتا العمليتين ملزمة، خطاب الضمان ملزم للمصرف الضامن، والكفالة
ملزمة للكفيل، وكما يرجع الكفيل على المكفول عنه فيما دفع فإن المصرف يرجع على
عميله بمقدار ما دفع عنه(2).
وقد رتب أغلب العلماء القائلين بهذا القول عدم جواز أخذ
الأجرة على الكفالة، وبالتالي حرمة العمولة على الضمان عملاً بقول جمهور الفقهاء
الذين منعوا أخذ الأجرة على الكفالة قال البغدادي في مجمع الضمانات "ولو كفل
شخصاً بمال على أن يجعل الطالب له جعلاً فإن لم يكن مشروطاً في الكفالة فالشرط
باطل، وإن كان مشروطاً في الكفالة فالكفالة باطلة"(3)
وتكييف خطاب الضمان على أساس الكفالة لا يستقيم فالمصرف يلتزم بدفع المبلغ المعين
بمجرد أول طلب من المستفيد، ولا يلتفت إلى اعتراض أو طعن العميل، كما أن المصرف لا
دخل له في العلاقة بين العميل والمستفيد، وهذا يناقض حقيقة الكفالة، لأن التزام
الكفيل تابع لالتزام الأصيل، كما أن الغاية من الكفالة هي تحقيق قدر من الثقة للمكفول
به من خلال ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل، وهذا لا يكتفى به المستفيد في خطاب
الضمان، فالخطاب ليس مجرد ضم ذمة إلى ذمة كما في الكفالة، وإنما هو التزام مستقل
ومجرد عن أي شرط أو طعن من العميل(4).
([4]) د. علي الصوا،
خطابات الضمان كما تجريها البنوك الإسلامية، مجلة دراسات، علوم الشريعة والقانون،
مجلد 23، عدد 1، سنة 1996، ص155. وانظر مجلة مجمع الفقه الإسلامي، 2/1209-1210.
--------------------
القول الثالث: التفريق بين ما كان مغطى وغير مغطى من الخطاب، فيعد خطاب الضمان وكالة إن
كان مغطى تغطية كاملة وهو كفالة إذا كان مكشوفاً، وإذا كان مغطى جزئياً فهو وكالة
في الجزء المغطى وكفالة في الجزء المكشوف، وممن قال بهذا الدكتور علي السالوس وعبد
الستار أبو غدة وجمع من العلماء وهو الرأي الذي رجحه وتبناه المجمع الفقهي الإسلامي
وجاء في قراره في مؤتمره الثاني المنعقد في جدة سنة 406هـ الموافق 1989:
" 1- إن خطاب الضمان بأنواعه الابتدائي والنهائي لا
يخلو إما أن يكون بغطاء أو بدونه فإن كان بدون غطاء فهو ضم ذمة الضامن إلى ذمة
غيره فيما يلزم حالاً أو مالاً وهذه هي حقيقة ما يعني في الفقه الإسلامي باسم
الضمان أو الكفالة وإن كان خطاب الضمان بغطاء فالعلاقة بين طالب خطاب الضمان وبين
مصدره هي الوكالة والوكالة تصح بأجر أو بدونه مع بقاء علاقة الكفالة لصالح
المستفيد (المكفول له).
2- إن الكفالة هي عقد تبرع يقصد للإرفاق والإحسان وقد
قرر الفقهاء عدم جواز أخذ العوض على الكفالة لأنه في حال أداء الكفيل مبلغ الضمان
فإنه يشبه القرض الذي جر نفعاً على المقرض وذلك ممنوع شرعاً.
لذلك فإن المجمع يقرر ما يلي:
أولاً: إن خطاب
الضمان لا يجوز أخذ الأجرة عليه لقاء عملية الضمان (والتي يراعى فيها غالباً مبلغ
الضمان ومدته) سواء أكان بغطاء أم بدونه.
ثانياً: أما المصاريف
الإدارية لإصدار خطاب الضمان بنوعيه فجائزة شرعاً مع مراعاة عدم الزيادة على أجر
المثل وفي حالة تقديم غطاء كلي أو جزئي يجوز أن يراعي في تقدير المصاريف لإصدار
خطاب الضمان ما قد تتطلبه المهمة الفعلية لأداء ذلك الغطاء"(1).
والقائلون بهذا القول لم يجيزوا أخذ الأجرة (العمولة)
على الضمان كما هو واضح في قرار المجمع أما المصاريف الإدارية فيجوز للمصرف الرجوع
على العميل بها لأنها في مقابل عمل يستحقه مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل.
وهذا الرأي هو الشائع والعمل عليه.
وهذا التكييف لم يأخذ في اعتباره علاقة المصرف بالمستفيد
كما أنه يرد عليه ما سبق من الإشكالات الواردة على القول بأن خطاب الضمان وكالة أو
كفالة(2).
--------------------
القول الرابع: إن خطاب الضمان لا يخرج عن كونه جعالة، فالمصرف يقوم بعمل يتمثل في الخدمة
التي يؤديها وتشمل تسجيل الضمان وما يتبعه من إجراءات متابعة وتسجيل في الدفاتر،
وهذا التعهد الذي يشتمل عليه الخطاب يعزز قيمة التزامات العميل وبذلك يكون عملاً
محترماً وهذا الرأي يربط المقابل (العوض المالي) بالعمل والمخاطرة معاً وتجعلها
جعالة لا أجرة، وإلى هذا ذهب الدكتور محمد باقر الصدر ود. أحمد علي عبد الله وآية
الله محمد علي التسخيري وغيرهم(1).
القول الخامس: إن خطاب الضمان لا يخرج عن كونه حوالة مطلقة وهي جائزة عند الحنفية،
فالمطلقة هي: أن يحيل بالدين على فلان ولا يقيده بالدين الذي عليه، والمقيدة يقيده
بذلك، فالعميل في صورة الخطاب يحيل المستفيد على المصرف حوالة مطلقة، وتعتبر نافذة
من حين الخطاب الابتدائي، وقد تمت الحوالة برضا الأطراف الثلاثة العميل والمصرف
والمستفيد، فإن دفع المصرف للمستفيد فله الرجوع على الععميل بما دفع، والعميل
يستفيد البراءة من الدين والمطالبة من حين صدور خطاب الضمان فالعلاقة والالتزامات
مستقلة بين أطراف العقد(2).
القول السادس: إن خطاب الضمان من العقود المستحدثة الذي يجمع بين أحكام عدد من العقود
المسماة من الكفالة والوكالة والرهن وغيرها وله خصائص ينفرد بها عن هذه العقود وإن
اشترك معها في بعض الأحكام مما يجعله عقداً مستقلاً جديداً، والشريعة الإسلامية لا
تمنع وجود صور جديدة لعقود المعاملات فالأصل في العقود والشروط الإباحة كما هو
مقرر، يقول د. علي الصوا: "فإن علاقة جديدة أخرى تنشأ بين المصرف والمستفيد،
يشغل المصرف فيها ذمته بحق المستفيد بالتزامه وحده، ويصبح المستفيد مستحقاً عليه،
وقد فسرت هذه العلاقة بأنها نوع جديد من الضمان ليس كالكفالة ولا كالرهن وإنما هو
من ابتكارات العرف المصرفي، نشأ بنتيجة تطور الأعمال التجارية والحياة الاقتصادية
بصفة عامة"(3).
([1]) محمد الشنقيطي،
دراسة شرعية لأهم العقود المالية، 1/331، ود. محمد شبير: المعاملات المالية
المعاصرة ص302. وانظر التسخيري، محمد علي، آراء حول خطاب الضمان، مجلة مجمع الفقه
الإسلامي، عدد2، 2/1113، سنة 1986م. والصدر، محمد باقر، البنك اللاربوي في
الإسلام، ص131، ود. أحمد علي عبد الله، جواز أخذ الأجر أو العمولة في مقابل خطاب
الضمان، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، عدد2، 2/1135، 1147، سنة 1986.
([3]) د. علي الصوا:
خطابات الضمان كما تجريها البنوك الإسلامية وأحكامها الشرعية، مجلة دراسات، علوم
الشريعة والقانون، المجلد 23، عدد 1، سنة 1996.
--------------------
خلاصة القول: بعد استعراض آراء العلماء في تكييف خطابات الضمان، فإنه يظهر لي أننا أمام
عقد جديد اقتضته المعاملات التجارية المعاصرة يحقق قدراً كبيراً من الائتمان مما
يسهم بشكل كبير في ازدهار الحركة التجارية والعمرانية، وقد وجهت آراء سديدة
للأقوال التي ألحقته ببعض العقود المسماة كعقود الكفالة أو الوكالة لاستقرار العرف
على أن لخطابات الضمان خصائص تميزه عن غيره، ولذا فإنني أميل إلى اعتباره عقداً
جديداً أو جعالة يجوز أن تأخذ المصارف الإسلامية عن تقديمه عوضاً مالياً بشروط
تبعد به عن الربا كما سيأتي توضيحه.
وقد سبق لنا القول في مبحث الصرف والمتاجرة
بالعملات أن الربا يكون في الأموال التي تكون وحدة قياس
لسائر الأموال أصالة كالذهب والفضة والنقود الورقية أو بدلاً عند عدم وجود وحدات القياس
أصالة للمحافظة على خصائص هذه الوحدات، والتعامل بخطابات الضمان لا يؤثر على وحدات
القياس فهو عمل ائتماني لتسهيل العمليات التجارية ولا غرر فيه ولا
جهالة، وعليه فإنني أرى جواز أخذ عمولة على إصدار خطابات الضمان بشروط كما سيأتي.
حكم أخذ المصارف الإسلامية بدلاً مالياً على خطابات الضمان:
بناء على التكييف السابق ذكره لخطابات الضمان فقد اختلفت
الآراء حول أخذ عوض مالي على إصدار المصارف لخطابات الضمان وضوابطه.
فالذين قالوا إنها وكالة أجازوا أخذ عمولة على إصدارها
في حدود الأجور المتعارف عليها بين المصارف، أما الفوائد المتحققة من تاريخ دفع
قيمة المطالبة إلى تاريخ تسديد العميل هذه القيمة فإنها محرمة لأنها ربا.
والذين قالوا إن خطابات الضمان هي كفالة فريقان:
الفريق الأول: منع أخذ العمولة على خطابات الضمان وهم غالبية العلماء الذين أدلوا
بآرائهم في هذه المسألة واستدلوا بأن:-
- نتيجة خطابات الضمان هي أنها قرض جر نفعاً، ففي حال أداء
الضامن للمضمون به يكون العوض مقابل هذا الدفع الذي هو بمثابة قرض في ذمة المضمون عنه.
فهذه الصورة من الكفالة تعتبر تبرعاً ابتداءً ومعاوضة انتهاءً عندما يرجع الكفيل
على المكفول بما دفعه، وهذه الصورة مثل القرض.
قال ابن عابدين: "الكفيل مقرض، فإذا اشترط له الجعل على كفالته، فمعنى
ذلك اشتراط الزيادة على مقدار القرض فيكون باطلاً، لأنه ربا العوض"(1).
وقال الدردير في الشرح الكبير: "وأما صريح الضمان بجعل فلا خلاف في
منعه"(2).
وهذا صحيح إذا قلنا إن خطابات الضمان كفالة، وسبق أن بينّا أن لها بعض
الخصائص التي تجعلها لا تتطابق في أحكامها مع الكفالة.
- إن عقد الكفالة مبني
على الإرفاق والتوسعة، ففي أخذ العوض عليه دفع لمقصد الشارع، والأصل أن
الشارع جعل الكفيل غارم، فإذا كان الأصل في الزعامة – أي الكفالة – أنها غرم، فكيف
تتحول إلى غرم.
أما الفريق الثاني فقد أجاز أخذ
الأجرة على خطابات الضمان واستدلوا:
-
بأنه لا يوجد نص من كتاب أو سنة يمنع أخذ الأجرة عليها ولا يوجد لخطابات
الضمان نظير يقاس عليه يمنع أخذ الأجرة، والأصل في العقود والشروط الإباحة.
-
بالقياس على ما أفتى به بعض المتأخرين من جواز الأجرة على الواجبات
والطاعات التي لا يجوز أخذ الأجر المادي عليها، ذلك أن تقاعس الناس عن أداء
الكفالة دون مقابل مع الحاجة إليها يدعو إلى تحفيزهم ولو بإعطاء بدل مادي.
-
بالقياس على ما أفتى به بعض العلماء من جواز أخذ الأجرة على الجاه في حالات
معينة فقد ذكر الونشريسي في المعيار أن القوري سئل عن حكم أخذ الأجرة على الجاه
فذكر أن العلماء اختلفوا فمن قائل بالتحريم بإطلاق، ومن مجيز بإطلاق، ومن مفصل أنه
إن كان بحاجة إلى مشقة وكلفة جاز وإلا حرم، فكذلك الضمان فيه كلفة على البنك
ومخاطرة لذلك جاز أخذ الأجرة عليه(3).
-
ولأن التعهد الذي يشتمل عليه خطاب الضمان يعزز التزامات العميل والمضمون
وبذلك يكون الخطاب عملاً يمكن أخذ الأجرة عليه.
ويبدو لي من استعراض أدلة هذا الفريق أنهم في الجملة لا يرون انطباق أحكام
الكفالة على خطابات الضمان من كل وجه فهي عندهم كفالة ذات طبيعة خاصة أو هي جعالة
يجوز أخذ الأجرة عليها(4).
وخلاصة القول الذي أميل إليه أن الكفالة المحضة لا
يجوز أخذ الأجرة عليها، ولكن ما نحن بصدده ليس كفالة محضة كما بينا.
أما عدم جواز أخذ الأجرة على الكفالة المحضة فلما سبق من أدلة، وأضيف إليها رأي العلامة الأستاذ مصطفى الزرقا رحمه الله في هذا الصدد، حيث يرى أنه إذا جاز أخذ الأجرة على الكفالة فإن تحريم الربا يفقد حجيته، فلا يبقى هناك مجال أبداً لتعليل حكمة الربا، لأننا نحرم على المقرض أن يأخذ فائدة أو أي زيادة على مبلغ القرض لأنها ربا، وهو محرم فكيف إذن نبرر ذلك إذا قلنا إنَّ الكفيل لمجرد تعرضه إلى أن يؤدي مالاً في المستقبل – سيصبح قرضاً – يسوغ له أخذ الأجر، ذلك المقرض الربوي الذي يدفع بالفعل ويتخلى عن جزء من ماله لمصلحة ذلك الآخر الذي يستعمل مال المقرض نقول: لا يجوز له أن يأخذ زيادة على ما أقرض، والذي لم يقرض بالفعل، ولكنه دخل تحت مسئولية تُعرِّضه لأن يؤدى فيما بعد مالاً، نقول: له أن يأخذه، لهذا انكشف لي ما في ذلك من تناقض إذا قررنا جواز أخذ الأجرة على الكفالة، وزالت غمامة فكري في الموضوع، وكنت أعجب لهذا الاتفاق – أي بين الفقهاء – لأنه قلما يوجد مسألة فقهية ليس فيها خلاف في المذاهب والآراء بكثرة، وهذه لم أجد فيها خلافات(5).
أما عدم جواز أخذ الأجرة على الكفالة المحضة فلما سبق من أدلة، وأضيف إليها رأي العلامة الأستاذ مصطفى الزرقا رحمه الله في هذا الصدد، حيث يرى أنه إذا جاز أخذ الأجرة على الكفالة فإن تحريم الربا يفقد حجيته، فلا يبقى هناك مجال أبداً لتعليل حكمة الربا، لأننا نحرم على المقرض أن يأخذ فائدة أو أي زيادة على مبلغ القرض لأنها ربا، وهو محرم فكيف إذن نبرر ذلك إذا قلنا إنَّ الكفيل لمجرد تعرضه إلى أن يؤدي مالاً في المستقبل – سيصبح قرضاً – يسوغ له أخذ الأجر، ذلك المقرض الربوي الذي يدفع بالفعل ويتخلى عن جزء من ماله لمصلحة ذلك الآخر الذي يستعمل مال المقرض نقول: لا يجوز له أن يأخذ زيادة على ما أقرض، والذي لم يقرض بالفعل، ولكنه دخل تحت مسئولية تُعرِّضه لأن يؤدى فيما بعد مالاً، نقول: له أن يأخذه، لهذا انكشف لي ما في ذلك من تناقض إذا قررنا جواز أخذ الأجرة على الكفالة، وزالت غمامة فكري في الموضوع، وكنت أعجب لهذا الاتفاق – أي بين الفقهاء – لأنه قلما يوجد مسألة فقهية ليس فيها خلاف في المذاهب والآراء بكثرة، وهذه لم أجد فيها خلافات(5).
ثم إن منع أخذ الأجر على الضمان هو الذي يميز المصارف الإسلامية عن المصارف
الربوية، ولذا فإن هذا الفريق يرى عدم جواز أخذ عمولة على خطاب الضمان يراعي فيه
مقدار المبلغ والمدة الزمنية، وله أن يأخذ عمولة تراعى فيها الأعمال والإجراءات
التي يقوم بها، وليس مبلغ الدين ومدته أو الفائدة الربوية التي يستحقها البنك من
تاريخ دفعه الدين للمستفيد إلى تاريخ الوفاء من العميل.
والذين قالوا إن خطاب الضمان حوالة مطلقة لم يجيزوا أخذ الأجرة على الحوالة لأنها تكون من باب القرض الذي جر نفعاً وهو ربا، كما أن المحال عليه لم يقم بعمل يستحق عليه مقابل، ويجوز للبنك أخذ عمولة نظير الجهد والخدمات الإدارية والمصرفية التي قدمها فعلاً لإتمام العملية ويؤخذ بالعرف المصرفي في تحديدها.
وأما العمولات أو الفوائد التي تأخذها المصارف الربوية كربح على إصدار
الخطاب فلا تجوز لأن العملية إما حوالة أو كفالة وفي الحالتين لا يجوز أخذ عوائد
ربحية عنها.
والذين قالوا بأنها عقد جديد أو جعالة أجازوا أخذ العمولة أو الأجرة على ما
يقوم به المصرف من عمل وجهد حسب العرف المصرفي، ولم يجيزوا أخذ الفائدة في حالة
صيرورة المصرف دائناً بالفعل(6).
وقد ذهب مجمع الفقه الإسلامي إلى أنه لا يجوز أخذ الأجر على الكفالة لأنها عقد تبرع يقصد للإرفاق والإحسان حتى لا يكون من قبيل القرض الذي جر نفعاً على المقرض في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان، وإذا كان الخطاب مغطى فالعلاقة بين العميل والمصرف هي وكالة يجوز أخذ الأجر عليها وكذلك إذا كان الغطاء جزئياً فيجوز أخذ الأجر على الجزء المغطى باعتباره وكالة وأخذ عمولة عن الجزء غير المغطى مقابل الجهد والعمل الحقيقي الذي قام به البنك.
وإذا كان الخطاب بدون غطاء فالعملية ضمان أو كفالة لا يجوز أخذ
الأجرة عليها
كما سبق القول وهذا ما أخذت المعايير الشرعية.
([6]) د. سامي حمود، تطوير
الأعمال المصرفية، ص332. ود. محمد عثمان شبير، المعاملات المالية المعاصرة، ص302.
--------------------
المصادر
والمراجع
1- د. إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط، جزأين، نشر دار الدعوة، اسطانبول،
تركيا.
2- البهوتي، منصور بن يونس البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، نشر مطبعة
الحكومة بمكة المكرمة عام 1394.
3-الحجاوي، شرف الدين موسى بن أحمد بن موسى بن سالم الحجاوي، الإقناع لطالب
الانتفاع، دار ابن حزم، الطبعة التاسعة 1426-2005، بيروت، لبنان.
4- الحطاب، أبي عبد الله حمد بن حمد بن عبد الله بن عبد الرحمن المغربي، مواهب
جليل لشرح مختصر خليل، دار عالم الكتب، الرياض، 2003.
5- حمود، د. سامي أحمد حسن حمود، تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة
الإسلامية.
6- الخطيب الشربيني، شمس الدين محمد بن الخطيب الشربيني، مغني المحتاج إلى
معرفة ألفاظ المنهاج، دار الفكر للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1426-2005، بيروت،
لبنان.
7-الدسوقي، محمد عرفة الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، دار الفكر
للطباعة والتوزيع.
8- الزحيلي، د. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، دار الفكر، الطبعة التاسعة،
1427-2006، دمشق.
9- الشرواني والعبادي، عبد الحميد الشرواتي وأحمد بن قاسم العبادي، حاشية على
تحفة المحتاج بشرح المنهاج للشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر الرملي، دار الفكر.
10- شبير، د. محمد عثمان شبير، المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي،
دار النفائس للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة 1422-2001، الأردن.
11-الشنقيطي، د. محمد مصطفى الشنقيطي، دراسة شرعية لأهم العقود المالية
المستحدثة، مكتبة العلوم والحكم الطبعة الثانية 1422-2001، المدينة المنورة.
12- العيني، محمود بن أحمد العيني، البناية في شرح الهداية، دار الفكر، الطبعة
الثانية 1900، بيروت.
13- ابن عابدين، محمد أمين بن عمر عابدين، رد المحتار على الدر المختار – حاشية
ابن عابدين -، دار عالم الكتب، طبعة خاصة 2003، الرياض.
14- ابن عابدين، منحة الخالق على البحر الرائق، دار الكتب العلمية، الطبعة
الأولى، 1997، بيروت.
15- ابن قدامة، أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، المغني
على مختصر الخرقي، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، 1424-2004، بيروت.
16-الكاساني، علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب
الشرائع، دار الفكر العربي، الطبعة الثانية، 1982.
17- مجلة المجمع الفقهي الإسلامي، العدد الثاني، الجزء الثاني، 1989.
18- الموسوعة العلمية والعملية لأعمال البنوك الإسلامية، الجزء الشرعي، المجلد
الأول، الطبعة الأولى، 1982، الاتحاد الدولي للبنوك.
19- الموصلي الحنفي، عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي، الاختيار
لتعليل المختار، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
20- النووي، أبي زكريا يحيى شرف الدين النووي، روضة الطالبين، دار عالم الكتب،
صبعة خاصة 2003، الرياض.
21-
وزارة الأوقاف الكويتية، الموسوعة الفقهية الكويتية، دار الصفوة، الطبعة
الأولى 1995، الكويت.
22- أبو صد، عماد أبو صد، أحكام خطابات الضمان المصرفية، رسالة ماجستير، إشراف الدكتور
جورج حزبون، الجامعة الأردنية 1995.
23- إسماعيل، د. محيي الدين إسماعيل، موسوعة أعمال البنوك من الناحيتين
القانونية والعملية، 1987.
24- البارودي، د. علي البارودي، العقود وعمليات البنوك التجارية، الناشر منشأة
المعارف 1986، الاسكندرية.
25- عوض، د. علي جمال الدين عوض، عمليات البنوك من الوجهة القانونية، الناشر
دار النهضة العربية، القاهرة.
26-عبد الرحيم، جمال خضر عبد الرحيم، خطابات الضمان والاعتمادات المستندية
والكفالات في التشريعات والقواعد الدولية واتفاقية الأمم المتحدة، الناشر اتحاد
المصارف العربية، بيروت.
27- عبد العال، د. عكاشة محمد عبد العال، قانون العمليات المصرفية الدولية، دار
المطبوعات الجامعية 1994، الاسكندرية.
28- قليوبي، د. سميحة قليوبي، الأسس القانونية لعمليات البنوك، دار النهضة
العربية 1988، القاهرة.
No comments:
Post a Comment