الملخص
الإجارة المنتهية بالتمليك عقد حديث النشاة ، يتركب من عقود ووعود مترابطة
منتظمة متوالية، كل واحد منها جائز بمفرده ، ويعالج هذا البحث العديد من المسائل
الهامة المتعلقة به ؛ كالقسط الإيجاري المرتفع نسبياً بالمقارنة مع أجرة المثل ،
وكيف تتعامل المصارف الإسلامية مع هذا القسط ، والدفعة الأولى التي يتقاضاها
المصرف الإسلامي بموجب تعليمات من الجهات الإشرافية ؟ وما مآل العقد لو طرأ سبب
لفسخه بصرف النظر عن المسبب ؟ وهل ربط الأجرة بمؤشر متغير كالليبور جائز شرعاً ؟
أم أنَّ هذا الربط يورث في العقد جهالة تستوجب الحكم بإبطاله ؟ وما الإجراء الذي
تتخذه المصارف الإسلامية فيما لو رغب المستأجر بالتملك المبكر للمأجور ؟
Abstract
Rent that ends with possession is a new kind of
contracts, which is composed of connected and successive contracts; each of
them is individually permissible. This research handles many related topics,
for example: The high fees in compare with alike fees, how do the Islamic banks
usually deal with it and how much is the first payment for these banks,
according to the supervisory authorities? And what are the changes on the
contract, if anything occurred to the contract, regardless of the responsible?
Is it legal to connect the fees with a variable sign; such as labor? Or does
this connection cause unawareness in the contract that requires making it
illegal? What is the actual action for the Islamic banks, in case the renter
wanted an early ownership?
بسم الله
الرحمن الرحيم
مقدّمة :
تعدُّ الإجارة من أقدم العقود عهداً ، ومن أكثرها تداولاً ؛ إذ ليس بين الناس غالباً إلا من هو مؤجِّر أو مستأجر ، وهو عقدٌ لا غنى للناس عنه ؛ فبه يحصِّل أكثر الناس - ممَّن لا يملكون عقارات أو آليات ولا يستطيعون مالياً تملكها –مأوىً لعائلاتهم ، ومستودعاً لأمتعتهم ، ومعرضاً لسلعهم يسترزقون منه ، وأشياء أخرى لا يستطيعون حيلةً بحكم أوضاعهم المادية إلى شرائها ، فيأتي عقد الإجارة ليُتيح لهذه الفئة من الناس إمكان الانتفاع بما اتجهت إليه رغباتهم في مقابل أجر معقول يتم الاتفاق مع مالك العين على تحديده ، وكيفية دفعه .
كما يوفِّرُ هذا العقد للملاَّك الذين لا يجدون وقتاً كافياً لاستثمار أموالهم وتنميتها ، فرصة استغلالها عن طريق استخدام هذه الأموال في تشييد المباني أو شرائها بقصد تأجيرها ، للحصول على عوائد وأجور بصفة منتظمة.
وتعدُّ الإجارة بالنسبة للمستأجر أحد مصادر التمويل التي
تمكنه من الحصول على ما يحتاجه من معدات وآليات وأصول دون إرهاق نفسه بدفع أثمانها
مقدَّماً أو مقسَّطاً ، كما أنها تحميه من مخاطر التضخم وزيادة كلفة الأصول في
المستقبل من خلال الاتفاق مع المؤجر على الانتفاع بتلك الأصول التي يملكها مع
الالتزام له بأداء دفعات إيجارية دورية وثابتة .
كما يُلقي المستأجر عن كاهله مخاطر أصول قد تتعرَّض نتيجة التطور التقني السريع إلى تقادم ، وكذا نقل مخاطر تحول الأصل إلى خردة في نهاية عمره الافتراضي إلى المؤجر(1) .
كما يُلقي المستأجر عن كاهله مخاطر أصول قد تتعرَّض نتيجة التطور التقني السريع إلى تقادم ، وكذا نقل مخاطر تحول الأصل إلى خردة في نهاية عمره الافتراضي إلى المؤجر(1) .
هذا ؛ وقد وُجِدَ في عصرنا الحاضر لون من الإجارة لم يكن معروفاً من قبل ، أوفدته إلينا الثقافة الغربية المستوردة ، يبدأ باستئجار العين ثم يؤول إلى تملك المستأجر لتلك العين بعد مدة محددة ، وقد أطلق عليه أسماء متعددة منها : الإجارة التمويلية ، والإجارة المنتهية بالتمليك ، والبيع الإيجاري ، والإيجار الساتر للبيع ، والإيجار المقترن بوعد البيع ، ووقف البعض منه موقف النقيض ؛ بين متشدد يرفضه البتة من غير تعمق في البحث والدراسة ، وبين مفرِّط يندفع نحو تأويل النصوص ، وحشد بل حشر الأدلة الشرعية غير المناسبة لموضوعه ؛ وذلك لإيجاد نوع من التلاقي بين التشريع الإسلامي والمنتجات الغربية الوافدة ، أو ليصبغه بالشرعية التي تضفي عليه قبولاً في المجتمع الإسلامي ، وبين متوقف صامت في حيرة من أمره ، يتردد موقفه بين القبول والرفض ، ولا يستقر في معرفة حكم شريعته في هذا المنتج الجديد على رأي .
ولقد كان لانتشار هذا العقد في المصارف التقليدية داخل البلدان الإسلامية بنفس الصورة التي كان يُطبَّق على ضوئها في البلدان الغربية نذير خطر ، إذ أصبح شيئاً مألوفاً ، وهو لم يصل إلينا سالماً من المخالفات الشرعية ، بل هو بصورته التقليدية التي نشأ عليها عقد لا يستقيم مع أحكام الشرعية الإسلامية ، لذا انبرى لهذا العقد نخبة من العلماء الأجلاء فأثروه تعديلاً وتصحيحاً وحذفاً وإضافةً ، ووضعوا له من الضوابط الشرعية ما يكفل سلامة تطبيقه ، وجعلوا منه منتجاً إسلامياً صالحاً للتطبيق في المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية .
ولكن على الرغم من ذلك ؛ لا زلنا نسمع ونقرأ بين الفينة والأخرى آراء تنادي
بمقاطعة هذا العقد بحلته الإسلامية الجديدة ،
لاشتماله على محذورات شرعية ، وهي عند التحقيق مسائل ثار بشأنها توهمات أو
ملابسات دفعت البعض إلى تحريمه ، وهي –كما سيظهر في هذا البحث- لا تصل إلى حدِّ
الطعن في العقد أو ادعاء عدم صلاحيته شرعاً للتطبيق .
ناهيك عمَّا جلبته هذه الضجة الخلافية حول العقد من أضرار بقطاع المصارف
الإسلامية ، ومشاكل قانونية جرَّاء مطالبة المتعاقدين مع البنك فسخ العقد .
فشعرت أنَّ من واجبي بحث هذا الموضوع ؛ لبيان الشبهات وتفنيدها ؛ تلبيةً
لنداء المسؤولية الملقاة في عنق كل مسلم تجاه قضايا أمته الشائكة .
(1)
شتا، علي أبو الفتح أحمد، المحاسبة عن عقود الإجارة المنتهية بالتمليك في
المصارف الإسلامية،ط1 1424هـ-2003م، ص7 .
(أولاً)
مشكلة البحث ، وأهميته ، وأهدافه :
(أ)مشكلة البحث :
تتحدد طبيعة المشكلة التي يعالجها البحث –كما جاء في المقدمة- في أنَّ عقد
التأجير المنتهي بالتمليك يعد من العقود المستحدثة الوافدة ، وفي اختلاف العلماء
في حكمه ما بين مجيز ومانع ، بالإضافة إلى دقة بعض الفرعيات المنبثقة عنه ، والتي
تحتاج إلى دراسة وتمحيص لِمَا يختص بها من أحكام شرعية :
ü
هل تقسيم
العائد الإيجاري إلى أصل وربح جائز في عمل المصارف الإسلامية ؟
- كيف تعالج
الدفعة الأولى التي يقدمها المستأجر للبنك ؟
- ما مآل العقد
في حال وفاة المستأجر ، أو إخلاله بالتزاماته ، أو فسخ العقد سواء بسبب أحد
المتعاقدين أو بسبب سماوي لا دخل للمتعاقدين فيه ؟
- ما التصرف
الشرعي المقبول في حال إرادة المستأجر إنهاء العقد والتملك المبكر للمأجور ؟
- ما الحكم في
ربط الأجرة بأحد المؤشرات المعروفة في السوق الربوية كمؤشر سعر إعادة الخصم أو
الليبور ونحوهما ؟
- هل الواقع
العملي لهذه الصيغة يطابق المعايير الشرعية الصادرة بشأنه ؟
- ما مشروعية
عقود التأجير التمويلي الذي تجريه المصارف الإسلامية ؟ وإذا ثبتت مشروعيتها فكيف
يتم تكييفه فقهاً ؟
- هل المغالاة في
حجم العائد الإيجاري الدوري بحجة أيلولة المأجور للمستأجر يؤثر في الحكم على العقد
بالمشروعية ؟
ونحوها من المشكلات التي يُثيرها موضوع البحث ، والتي
تشكل أحد أهم العقبات التي تواجه المصارف الإسلامية ، ولذا يحاول هذا البحث
الإجابة عن هذه التساؤلات ، واقتراح بعض المعالجات التي تخدم إشكالاً يتعلق
بالموضوع .
(ب) أهمية البحث :
(ب) أهمية البحث :
تنبع أهمية البحث من :
§ الحاجة إلى
التعرف على تكييفه وأحكامه الشرعية .
§ الحاجة إلى
إيجاد الحلول الناجعة لكثير من تعقيدات هذا العقد التي يُثيرها تطبيقه في واقع عمل
المصارف الإسلامية .
(ج) أهداف
البحث :
يهدف هذا البحث إلى إثراء مسيرة المصارف الإسلامية ببحث متواضع قد يوسع
عليها أفقاً ضيقاً بحيث تجد فيه ضالتها من الإجابات الكافية لأسئلتها الطارئة
والملحة .
(ثانياً) الدراسات السابقة ، وأسباب اختيار البحث :
(أ) الدراسات
السابقة :
كثرت الدراسات التي تناولت موضوع هذا البحث ، وتراوحت بين الإجمال والتفصيل
، غير أنَّ الذي دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع ، غياب بعض المسائل الهامة عن
متناول تلك الدراسات ، وهي مسائل تلح الحاجة بالمصارف الإسلامية إلى معرفة أحكامها
، وتستأهل إفراد بحث في الموضوع ذاته يتطرق لها ، نظراً لِمَا تشكله من قيمة مضافة
تثري هذا الحقل .
ومن هذه الدراسات :
1. د. الشاذلي،
حسن، الإيجار المنتهي بالتمليك، دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي والفقه الوضعي،
بحث مقدم لأعمال الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي المنعقدة في الكويت،
7-11 رجب 1407هـ-7-11 آذار 1987م .
2. د.
عبدالله،محمد عبدالله، التأجير المنتهي بالتمليك والصور المشروعة فيه، بحث مقدم
لأعمال الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي المشار إليها –آنفاً- .
3. مجموعة من
البحوث المقدمة لمجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من
1-6جمادى الأولى الموافق 10-15 كانون الأول 1988م .
4. د.
المنيعي،محمد بن سليمان بن عثمان،الإجارة المنتهية بالتمليك،بحث محكم،مجلة
العدل،العدد الثالث عشر،محرم،1422هـ .
5. الحاج
محمد،محمد يوسف عارف، الإجارة المنتهية بالتمليك من التطبيقات المعاصرة لعقد
الإجارة في الفقه الإسلامي،رسالة ماجستير،جامعة النجاح الوطنية،نابلس-فلسطين،2001م
.
(ب) أسباب اختيار البحث :
1.لم أجد
الأدبيات السابقة التي بحثت هذا الموضوع وافية بالغرض الذي يرمي هذا البحث إلى
تحقيقه ؛ إذ جاء التركيز في أكثرها على المبادئ والأحكام الشرعية العامة لعقد
الإجارة التمليكية أو المنتهية بالتمليك دونما التفات إلى تطبيقات العقد التي
تمارسها المؤسسات المالية الإسلامية وخاصة في الأردن .
2. أولى المجلس
الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية عناية فائقة بهذا
الموضوع وتنظيم تطبيقاته على صعيد مؤسسات التمويل ، وذلك بإصداره معياراً يُنظم
الأحكام المتعلقة بتطبيق هذا العقد ، لكنه لم يعالج بعض المسائل الفروعية المتولدة
عن هذا العقد ، والتي تشتد الحاجة إلى معرفة أحكامها الشرعية ، لذا أردنا في هذا
البحث استعراض أهم هذه المسائل ومناقشتها للتوصل إلى حكم شرعي يناسبها .
3. عدم اتفاقي في
بعض المسائل مع ما توصَّل إليه بعض الباحثين بصددها .
(ثالثاً)
منهجية البحث :
رسمت في دراسة هذا الموضوع منهجية تقوم على توصيف المسائل ، ومعرفة تركيبها
الواقعي ، وإسباغ ما يلائمها من الأحكام الشرعية عليها .
(رابعاً) خطة البحث :
جاءت خطة البحث مكونة من مقدمة ، ومبحثين ، وخاتمة على النحو الآتي :
المبحث الأول : الإجارة، ماهيتها، ومشروعيتها،
ومقوماتها، وأقسامها، وأحكامها .
المبحث الثاني : الإجارة المنتهية بالتمليك؛ نشأتها،
ومفهومها، وصورها، وأحكامها .
المبحث الأول: الإجارة ؛ ماهيتها ، ومشروعيتها
ومقوماتها ، وأقسامها ، وأحكامها
يشتمل هذا المبحث على المطالب التالية :
المطلب الأول : تعريف الإجارة في اللغة والاصطلاح .
المطلب الثاني : مشروعية الإجارة .
المطلب الثالث : مقومات الإجارة .
المطلب الرابع : أقسام الإجارة .
المطلب الخامس : أحكام الإجارة .
المطلب
الأول : تعريف الإجارة في اللغة والاصطلاح
(أولاً) الإجارة لغة:
اسم للأجرة، وهي بكسر الهمزة وفتحها وضمها، والكسر أشهر
من أجّر يأجر (بضم الجيم وكسرها)، ومعناها ما أعطيت من أجر على عمل.
ونقل عن المبرد أنه يقال: أجر وآجر وإجاراً وإجارة،
وعليه فتكون الإجارة مصدراً، وهذا ما يناسب المعنى الاصطلاحي.
والأجر: الإثابة والمجازاة على العمل، ويطلق الأجر على
الثواب الذي يكون من الله تعالى للعبد على العمل الصالح، ويطلق على جزاء الإنسان
للإنسان، بخلاف الأجرة فإنها لا تطلق إلا على جزاء الإنسان للإنسان فقط، وهي ما
يعطى للأجير في مقابل العمل.
كما يطلق الأجر على عوض المنافع في الدنيا، قال تعالى: {لَوْ
شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا}(1).
والأجر بمعنى الجبر، ومنه جبر العظم، والمعنى الجامع
بينهما أن أجرة العامل كأنها شيء يجبر به حاله فيما لحقه من كدٍّ فيما عمله(2).
(ثانياً) الإجارة
اصطلاحاً:
عرف الفقهاء الإجارة بتعريفات متقاربة في المعنى:
فقد عرفها الحنفية بأنها: "تمليك نفع مقصود من
العين بعوض". "أو عقد على المنافع بعوض"(3).
وعرفها المالكية بأنها: "عقد معاوضة على تمليك
منفعة بعوض"(4).
وعند الشافعية هي: "عقد على منفعة مقصودة، معلومة،
مباحة، قابلة للبذل والإباحة، بعوض معلوم"(5).
وعند الحنابلة هي: "بذل عوض معلوم، في منفعة معلومة،
من عين معينة أو موصوفة في الذمة، أو في عمل معلوم"(6).
نلاحظ أن التعريفات السابقة متقاربة، وتعريف الحنابلة
يتضمن التعريفات الأخرى وهو يشمل إجارة الأعيان وإجارة الأشخاص والإجارة الموصوفة
في الذمة.
وعرفها القانون المدني الأردني في مادته 658 بأنها:
"الإيجار تمليك المؤجر للمستأجر منفعة مقصودة من الشيء المؤجر لمدة معينة
لقاء أجر معلوم"(7).
وقد قصرها القانون على إجارة الأعيان ؛حيث أفرد لإجارة منافع الأشخاص -سواء كان
الأجير خاصاً أو مشتركاً- أحكاماً خاصة ،وأسبغ عليها تسمية اصطلاحية حديثة هي (عقد
العمل وعقد المقاولة) .
المطلب
الثاني: مشروعية الإجارة
ذهب الفقهاء إلى أن الإجارة من المعاملات الجائزة شرعاً(8)،
وهذه المشروعية ثبتت بالقرآن الكريم والسنة والإجماع والمعقول.
أما القرآن الكريم: فقوله تعالى: {فَإِنْ
أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}(9).
وقوله: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ
اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِين}(10).
وقوله تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا
جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ
عَلَيْهِ أَجْرًا}(11).
وهذه الآيات الكريمة تدل على مشروعية الإجارة، وشرع من قبلنا
شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يمنعه.
وأما دليل مشروعيتها من السنة:
فما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: "أعطوا
الأجير أجره قبل أن يجف عرقه"(12).
وما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: "ثَلاثَةٌ أنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ
القِيَامَةِ: وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصمْتهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أعْطَى
بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرّاً فَأكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ
أجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أجْرَهُ"(13).
وما روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: "اسْتَأْجَرَ
النَّبِيُّ rوَأبُو
بَكْرٍ رَجُلاً مِنْ بَنِي الدِّيلِ، هَادِيًا خِرِّيتًا وَهُوَ عَلَى دِينِ
كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ
غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاثِ لَيَالٍ، فَأتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ
لَيَالٍ ثَلاثٍ، فَارْتَحَلا، فَأخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّاحِلِ"(14).
فالحديث صريح ونص في مشروعية الإجارة.
وما صح من قوله rفي حديث الرقية بالفاتحة "أحَقُّ مَا أخَذْتُمْ
عَلَيْهِ أجْرًا كِتَابُ الله"(15).
ووجه الدلالة في الآيات والأحاديث الشريفة السابقة واضحة
على أن الإجارة من المعاملات التي شرعها ديننا الحنيف.
أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة الإسلامية منذ عصر الصحابة
الكرام إلى عصرنا الحالي على جواز الإجارة، إلا ما يحكى عن عبد الرحمن بن الأصم
أنه قال: لا يجوز ذلك، لأنه غرر، يعني أنه عقد على منافع لم تخلق، وهذا غلط لا
يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار وسائر الأمصار(16).
أما وجه مشروعية الإجارة من المعقول: فهو الحاجة
إليها؛إذ ليس كل إنسان قادر على شراء ما يرغب في الانتفاع به ، فلولا الإجارة
لتعقدت الحياة، ولأصبحت أحوال الناس جحيماً لا يطاق ، جاء في الحاوي الكبير:
"ليس كل من أراد طعاماً لمأكله وثياباً لملبسه قادر على عمله بنفسه وعلى
أحداثه وإنشائه، فدعت الضرورة إلى الإجارة على المنافع، كما دعت الضرورة إلى
ابتياع الأعيان، ثم كان البيع جائزاً فكذلك الإجارة"(17).
قال ابن قدامة: " ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى
ذلك، فإنه ليس لكل أحد دار يملكها، ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها،
ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانهم وحملهم تطوعا، وكذلك أصحاب الصنائع يعملون بأجر،
ولا يمكن كل أحد عمل ذلك، ولا يجد متطوعا به، فلا بد من الإجارة لذلك، بل ذلك مما
جعله الله تعالى طريقا للرزق " (18).
([6]) المرداوي،
علي بن سليمان، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن
حنبل ،تحقيق محمد حامد الفقي، 12م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1،
1957م، ج6، ص3.
وابن
قدامة، موفق الدين عبد الله، المغني، ط
، دار الكتب العلمية، بيروت، مطبوع ومعه الشرح الكبير 8/6.
([8]) قاضي زاده،
(ت988هـ)، تكملة فتح القدير، م، مكتبة مصطفى الحلبي، مصر، ط1، 1970م، ج8
ص60. القرافي، أحمد بن إدريس، ت685هـ، الذخيرة، تحقيق محمد بو خبزة، دار
الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1994م، ج5، ص371. الماوردي، علي بن محمد (ت450هـ)، الحاوي
الكبير، تحقيق محمود مطرجي، دار الفكر، بيروت، 1994م، المرداوي، الإنصاف، ج6،
ص3.
-------------------------
المطلب الثالث: مقومات عقد الإجارة:
مقومات عقد الإجارة هي:
أ.
الصيغة (الإيجاب والقبول).
ب.
العاقدان.
ج.
المعقود عليه (المنفعة والأجرة).
وسنتناول هذه المقومات بشيء من التفصيل:
الفرع الأول :الصيغة:
وهي الإيجاب والقبول، ومن خلالها يتم معرفة إرادة
الطرفين المتعاقدين بما يصدر عنها من لفظ الإجارة أو الكراء وما في معناهما مما
يدل على تمليك المنفعة بعوض؛ كأن يقول أجرتك هذه الدار بكذا فيقول الآخر قبلت أو
استأجرت، أو بما يقوم مقام اللفظ، كالمعاطاة عند الجمهور كغيرها من العقود خلافاً
للشافعية الذين لا يرون انعقاد العقد بالمعاطاة(1).
ويشترط في الصيغة أن تكون دالة على الجزم دون تسويف أو
تعليق، والأصل في عقد الإجارة أن يكون منجزاً إذا لم يوجد ما يدل على إضافته أو
تعليقه. ويرى جمهور الفقهاء أنه يصح إضافة الإجارة إلى المستقبل سواء أكانت إجارة
عين أم إجارة في الذمة(2).
وذهب الشافعية في الأصح إلى أن الإضافة تصح في الإجارة
الواردة على موصوف في الذمة، ولا تصح في الإجارة الواردة على عين إلا في صور
مستثناة كأن يتم عقد الإجارة ليلاً على عين لا يستوفى منفعتها إلا بالنهار، أو أن
يتم العقد على استئجار سيارة للحج قبل البدء بأعمال الحج بشرط تهيّؤ أهل البلد
للحج، بمعنى أن الزمن الذي أُضيف إليه العقد يسيراً(3).
والأصل في عقد الإجارة أنه يفيد اللزوم إلا إذا دلّ دليل
على غير ذلك كوجود شرط الخيار، وثبوت خيار الرؤية أو العيب، سواءً في ذلك إجارة
الأعيان أم الإجارة الموصوفة في الذمة. وقد ذهب محمد بن الحسن إلى أن الإجارة المضافة
إلى المستقبل يجوز لكل من طرفي العقد فسخها قبل حلول بدء مدتها(4).
ومن أهم الشروط الواجب توافرها في صيغة الإجارة هي أن
تكون هذه الصيغة واضحة حتى لا تفضي الجهالة إلى النزاع(5).
وقد نصت هيئة المحاسبة على أنه يجب تحديد مدة الإجارة
ويكون ابتداؤها من تاريخ العقد ما لم يتفق الطرفان على أجل معلوم لابتداء مدة
الإجارة(6).
([1]) الكاساني، علاء
الدين أبوبكر بن مسعود، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب
العلمية،ط2 1986م، ج5، ص133. الدسوقي، محمد بن أحمد بن عرفة، حاشية الدسوقي على
الشرح الكبير، دار الفكر،بدون طبعة ولا تاريخ، ج4، ص2، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني،
مغني المحتاج، دار الكتب العلمية، 1994م، 3/450، ابن قدامة، عبد الله بن
أحمد، المقنع في فقه الإمام أحمد، المطبعة السلفية، ج2، ص195.
([6]) هيئة
المحاسبة والمراحعة للمؤسسات المالية الإسلامية، المعايير الشرعية، 2010م،
بند رقم 4/1/2، ص113 .
------------------------------
الفرع الثاني : العاقدان:
وهما المؤجر، وهو دافع المنفعة، والمستأجر وهو الآخذ لهذه المنفعة(1).
ويشترط في العاقدين(2):
العقل والتمييز ،فلا تنعقد إجارة المجنون، والمعتوه، ولا الصغير غير المميز، ويكون
عقد الصغير المميز موقوفاً على إجازة وليه، وأما السفيه المحجور عليه فلا تنعقد
العقود بعبارته فيما حُجر عليه فيه، والبالغ العاقل الذي لم يصل إلى سن الرشد
فعقوده كعقود الصغير المميز تكون موقوفة على إجازة وليه ،ما لم يتم ترشيده، فإن
رُشّد ؛ كان فيما رشِّد فيه رشيداً، ومن بلغ سن الرشد فعقوده صحيحة إذا صدرت عن
الرضا والاختيار، ولا يشترط لصحة عقد الإجارة الاتفاق في الدين؛ فيصح أن يستأجر
المسلم من غير المسلم أو غير المسلم من المسلم ما دام الغرض حلالاً وقد نصت على
ذلك المعايير الشرعية (3).
ويرى بعض الفقهاء الجواز مطلقاً في حالة الضرورة وغيرها، استدلالاً بالحديث
السابق(4).
-----------------------------
الفرع الثالث : المعقود عليه (المنفعة والأجرة)
يتكون المعقود عليه في الإجارة من شيئين هما المنفعة والأجرة :
(أ) المنفعة:
عقد الإجارة يقع على المنافع لا على الأعيان، وملكية المنفعة لا تستلزم
ملكية العين، وملكية العين تستلزم ملك المنفعة، وبذلك يختلف عقد الإجارة عن عقد
البيع، وما تجدر الإشارة إليه والتنبيه عليه أن ملك المنفعة يفترق عن حق الانتفاع
من حيث المعنى، والمنشأ، والأثر.
فمن حيث المعنى: فإن ملك
المنفعة فيه اختصاص حاجز لحق المستاجر في منافع المأجور، ففيه معنى الملكية وقوتها
فله أن ينتفع بنفسه وبغيره وأن يعيد تأجيره بشروط معينة.
أما حق الانتفاع فهو من قبيل الرخصة بالانتفاع بالحق الشخصي دون الامتلاك.
ومن حيث المنشأ: فإن ملك
المنفعة ينشأ عن عقد مملك كالإجارة، والوصية بالمنفعة، والوقف. وحق الانتفاع يثبت
بالعقود التي تفيد ملك المنفعة كالبيع، والإجارة، والهبة، كما يثبت بكون الشيء
مخصصاً للانتفاع العام كالطرقات والحدائق.
ومن حيث الأثر: فإن ملك
المنفعة يسوغ لصاحبه أن يتصرف في المنفعة تصرف الملاك في أملاكهم ضمن حدود العقد
الذي ملكه إياها، فيحق له أن يملك المنفعة التي استفاد ملكيتها. فللمستأجر أن يؤجر
المأجور وأن يعيره، وللمستعير أن يعير غيره إلا إذا كان الشيء مما يتأثر باختلاف
المستعملين كإعارة الدواب والثياب، فإنه ليس للمستعير أن يعيرها.
وليس للمستعير أن يؤجر العارية مطلقاً؛ لأن عقد العارية عقد غير لازم، وعقد
الإجارة عقد لازم، ولا يبنى عقد لازم على عقد غير لازم(1).
إجارة الخدمات التي تقترن بها مواد وسلع:
يشترط في الإجارة أن لا يتضمن استيفاء المنفعة استهلاك العين، فلا يصح
استئجار الشمع للإضاءة، والصابون للغسل به، والطعام للأكل؛ لأنه لا يمكن استيفاء
المنفعة من العين إلا بإتلافها، وهذه الأمور ونحوها مما لا خلاف فيه عند الفقهاء(2).
وأجاز جمهور الفقهاء أن يرد عقد الإجارة على المنفعة أصلاً، وتستهلك العين
تبعاً فيما جرى العرف باعتباره تبعاً للعين المؤجرة(3)،
ومن ذلك ما ذكره البهوتي:
- "إذا كان عرف الدار السكنى واكتراها فله السكنى وله وضع متاعه فيها
ويترك فيها من الطعام، وما جرت عادة الساكن به. قال في المبدع: ويستحق ماء البئر
تبعاً للدار في الأصح"(4).
- "وقال في التلخيص: ما
يأخذه الحمامي أجرة المكان والسطل والمئزر، ويدخل الماء تبعاً لأنه لا يصح عقد
الإجارة عليه، وهذا بخلاف مسألة الشرب فإن الماء مبيع"(5).
وقال: ويدخل
أيضاً تبعاً حبر ناسخ وأقلامه في استئجار على نسخ، وخيوط خياط في استئجار على
خياطة، وكحل كحال في استئجار على كحل، ومرهم طبيب، وصبغ صباغ... الخ(6).
- ومن ذلك ما
ذكره الحنفية في الفتاوى الهندية: "والأصل أن يكون العمل من الصانع – الأجير –
والعين من صاحب العمل، غير أن العرف جرى على أن يقدم الأجير المشترك الخيط من عنده
في الخياطة، والصبغ من عنده في الصباغة، مما يعتبر تابعاً للصنعة ولا يخرجه ذلك من
كونه عقد إجارة إلى عقد استصناع"(7).
وخرّج بعض الفقهاء جواز إجارة الظئر بأن المعقود عليه هو المنفعة وهو خدمتها للصبي والقيام
بشؤونه، واللبن يستحق عن طريق التبع بمنزلة الصبغ في الثوب، لأن اللبن عين فلا
يعقد عليه في الإجارة(8).
وقال بعضهم: إن استئجار الظئر جاء استثناءً على خلاف القياس للضرورة، وقد ثبت فيه النص(9).
واختلفوا في جواز استئجار الأشجار للحصول على ثمرتها، والشاة لأجل الاستفادة من صوفها ولبنها أو نتاجها.
فقال الجمهور: لا يجوز ذلك
لأن عقد الإجارة ورد على العين، وما خرج منها معدوم فلا يصح العقد عليه كما لا يصح
بيع المعدوم.
وقال بعض الفقهاء: يجوز لأن كلاً
من العين والمنفعة يحدث شيئاً فشيئاً مع بقاء الأصل، فتصح الإجارة على الحادث
من العين سواء كان الحادث عيناً أو
منفعةً، لأن الإجارة تكون على ما يحدث مع بقاء العين. ونقل هذا الرأي عن بعض فقهاء
المالكية، وبعض فقهاء الحنابلة(10).
ويلحظ هنا أن الفقهاء أجازوا استهلاك العين إذا كانت تبعاً حسب العرف، حيث
لم تكن مقصودة بالعقد أصلاً وكانت العين تبعاً، كما في إجارة الشجر للحصول على
الثمر، وفي إجارة الشاة لأجل الاستفادة من لبنها ونتاجها.
وتأسيساً على ما سبق، فإن إجارة الخدمات التي يقترن بها تمويل بمواد وسلع يكون جائزاً إذا كانت
هذه المواد تبعاً وليست مقصودة أصلاً بعقد الإجارة.
الإجارة التي تقترن بها الصيانة:
يمكن استفادة حكم المسألة من بعض الصور الفقهية التي ذكرها الفقهاء،
وتخريجاً عليها:
قال البهوتي في الكشاف: ولو استؤجرت المرأة للرضاع والحضانة لزمها أي الرضاع والحضانة؛ لأنه مقتضى
العقد، وإن استؤجرت للرضاع وأطلق لزمها الحضانة تبعاً وعملاً بالعرف(11).
وفي تكييف عقد الرضاع قال بعض الفقهاء: إن العقد يقع على اللبن والخدمة
تبع، ودليل ذلك أنها لو أرضعته بلبن شاة لا تستحق شيئاً. وهذا يفيد أن خدمة الصبي
جاءت تبعاً لعقد الإجارة على الرضاع(12).
وإذا جاز تعميم هذه الصورة على ما يشبهها ولم نقل بأن عقد الرضاع جاء
استثناء على خلاف القياس أمكن القول بجواز الإجارة التي تقترن بها الصيانة التي
جرى العرف باعتبارها، كما أن الصيانة منافع أعمال وعقد الإجارة ينعقد عليها
باعتبارها أعمالاً موصوفة في الذمة يمكن ضبطها والقيام بها من غير نزاع.
ويقتضي البحث في التطبيقات الممكنة للإجارة في مجال تمويل الخدمات من تعليم
وتطبيب ورحلات المناسك أو السياحة أن نقف على الشروط الواجب توافرها في المنفعة
وهي:
- أولاً: معلومية المنفعة عند العقد علماً يمتنع به التنازع.
والعلم
بها يتم بمعرفة محلها وقدرها وصفتها، ويكون برؤيتها أو بوصف يقوم مقام الرؤية.
وتكون الإجارة لازمةً إذا لم يختلف الوصف فإن اختلف الوصف ثبت الخيار للمستأجر(13).
وذهب
الحنابلة والشافعية في رأي إلى اشتراط رؤية العين المؤجرة قبل الإجارة، وإلا فإن
للمستأجر خيار الرؤية، ولم يعمم الحنابلة هذا الشرط في جميع الإيجارات، بينما عممه
الشافعية في جميع إجارات الأعيان(14).
وأجاز
الحنفية، والمالكية، والحنابلة، خيار الشرط في الإجارة مطلقاً(15)،
وذهب الشافعية في الراجح عندهم إلى جوازه في إجارة الأعيان دون إجارة الموصوف في
الذمة(16).
ومعلومية
المنفعة تحدد حسب نوع الإجارة، ففي إجارة الأعيان تستوفى المنفعة من عين معينة
بذاتها، بحيث إذا هلكت انفسخت الإجارة كمن استأجر رجلاً ليبني له بيتاً بنفسه،
وكمن استأجر داراً للسكنى فهذه يتعين محل الإجارة فيها بالتعيين أو الإشارة،
وتتعين المنفعة فيها ببيان مدة الإجارة إذا كانت المدة هي الضابط للمعقود عليه
ويعرف بها.
ويرى
أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، والمالكية، وأحمد في رواية أن المنفعة تتعين ببيان
العمل والمدة معاً(17)،
وأما الإجارة الموصوفة في الذمة فإن المنفعة فيها على شيء موصوف في الذمة فيشترط
تقديرها بعمل أو مدة كخياطة ثوب، وبناء دار ليحصل العلم بالمقصود(18).
- ثانياً: أن تكون المنفعة متقومة مقصودة بالعقد.
فلا يجوز
استئجار المباحات التي يتم الحصول عليها بدون بذل ثمن لها، ولا يصح استئجار منافع
غير متقومة شرعاً؛ كالحشرات أو استئجار الدراهم والدنانير للزينة عند الحنفية(19)،
وأجاز الحنابلة إجارة كل منفعة مباحة لغير ضرورة(20).
-ثالثاً: أن تكون المنفعة مشروعة.
فالإجارة على المنافع المحرمة كالنوح والملاهي المحرمة لا تصح والعقد
عليها باطل لا يستحق به أجرة(21).
ويجوز الاستئجار على فعل الطاعات التي تجوز فيها النيابة ويحل أخذ الأجر عليها،
وإلى هذا ذهب الشافعية والمالكية والحنابلة في قول(22)،
استدلالاً بحديث أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) وفيه أن بعض الصحابة أخذوا جعلاً
على الرقية بقراءة الفاتحة، فلما قدموا على رسول الله r أخبروه بذلك فقال: وما يدريك أنها رقية، قد
أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهماً(23)،
وبحديث "إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله"(24)،
وذهب الحنفية والحنابلة في المشهور عندهم إلى أن الأجرة لا تحل(25)،
واستدلوا بحديث: "اقرؤوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجحفوا عنه ولا تأكلوا به
ولا تستكثروا به"(26)،
وبحديث: "اقرؤوا القرآن واسألوا الله به فإن من بعدكم قوماً يقرؤون القرآن
ويسألون به الناس"(27).
وقد
نصت هيئة المحاسبة على ذلك، حيث جاء فيها: ".... ويشترط في المنفعة أن تكون
مباحة شرعاً فلا يجوز إجارة مسكن أو أداة لعمل محرّم مقصود من الإجارة؛ كمقر لبنك
يتعامل بالفائدة، أو حانوت لبيع أو تخزين ما لا يحل، أو سيارة لنقل ما لا
يجوز"(28).
- رابعاً: أن تكون المنفعة مقدورة الاستيفاء.
فلا
تصح إجارة المغصوب من غير الغاصب، ولا تصح إجارة الأقطع والأشل للخياطة بنفسه، لأن
هذه المنافع لا تحصل منه إلا عند سلامة الأسباب(29)،
ولا تصح إجارة جمل شارد لركوب، ولا الطير في الهواء؛ لأن ذلك غرر وهو منهي عنه،
ومثله استئجار حائض لكنس مسجد، وكذلك لا يصح استئجار مسلوب المنفعة كالأمي
للكتابة، أو الذمي للأذان، أو الأرض السبخة للزراعة(30).
وتجوز
إجارة المشاع للشريك؛ لأن القدرة على التسليم والاستيفاء متحققة، وأما إجارة
المشاع لغير الشريك فجرى فيها الخلاف، فقال بعضهم بالجواز لأن كل ما جاز بيعه جازت
إجارته، ولأن تسليمه للمستأجر ممكن بالتخلية أو بالقسمة، وهذا قول الشافعية وصاحبي
أبي حنيفة(31).
وقال
آخرون: لا يجوز لأن المقصود الانتفاع، وهو غير ممكن في المشاع، وهذا قول أبي حنيفة
والحنابلة(32).
ويجوز
إجارة حصة من عين مملوكة على الشيوع لأنه يمكن تسليمها للمستأجر فالانتفاع بها
يكون بطريق المهايأة الزمانية أو المكانية وقد نصت المعايير الشرعية على ذلك كما
جاء في المعيار 5/1/2.
الإجارة لتمويل خدمات التعليم و التطبيب.
في ضوء الضوابط المذكورة للإجارة فإن الإجارة لتمويل الخدمات في مجال
التعليم والتطبيب والاحتفالات ورحلات المناسك والسياحة تكون جائزة شرعاً، لأنه
يمكن ضبطها بالصفات وبيان معلوميتها، علماً يمتنع به التنازع بين المتعاقدين. ولا
شك أن هذه الخدمات هي منافع مباحة ومقصودة في نظر الشارع شريطة أن تكون الاحتفالات
والسياحة مشروعة في مقاصدها ووسائلها، كما سبق لنا بيان رأي الفقهاء في جواز إضافة
العقد للمستقبل في إجارة الذمة، مما يمكن لجهات التمويل من شراء خدمات في مجال
التعليم والتطبيب والسياحة وتأجيرها، بعقود مضافة إلى المستقبل، كما أن هذه
الخدمات مقدور على تسليمها. ويدخل في إجارة هذه الخدمات ما يلحق بها تبعاً من
الأعيان التي يتم استهلاكها كالدواء والمواد المستعملة في المختبرات العلمية في
الجامعات والطعام الذي يقدم في الفنادق عند تأجيرها بغرض السياحة أو أداء المناسك؛
لأنها ليست مقصودة أصلاً وإن تضمنها العقد.
(أ) الأجرة: وهي العوض
الذي يدفعه المستأجر للمؤجر في مقابلة المنفعة التي يأخذها منه(1).
فالأجرة كالثمن في مقابلة المبيع، وحكم الأجرة كحكم الثمن في البيع يصح أن
يكون معيناً كما يصح أن يكون في الذمة(2).
ويشترط في الأجرة أن تكون معلومة(3)،
لما روي عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: "من استأجر أجيراً فليعلمه أجره"(4).
ويجوز أن تكون نقوداً أو عيناً (سلعة) أو منفعة (خدمة) ويجوز أن تكون مقسطة على
أجزاء المدة أو بمبلغ ثابت أو متغير، فإذا كانت الأجرة متغيرة فيجب أن تكون الأجرة
للفترة الأولى محددة بمبلغ معلوم، ويجوز في الفترات التالية اعتماد مؤشر منضبط،
ويشترط في هذا المؤشر أن يكون مرتبطاً بمعيار معلوم لا مجال فيه للنّزاع، لأنه
يصبح هو أجرة الفترة الخاضعة للتحديد ويوضع له حد أدنى وحد أعلى(5).
والجهالة الفاحشة تفضي إلى المنازعة في الأجرة، وتجعل العقد فاسداً، فإن
استوفيت المنفعة وجبت أجرة المثل(6).
وعلى ذلك فلا يصح استئجار الأجير بالطعام والكسوة عند أكثر الحنفية
والشافعية في الأصح، والحنابلة في قول، لأن الأجرة مجهولة جهالة فاحشة تفضي إلى
المنازعة؛ لأن الطعام والكسوة يختلفان اختلافاً كثيراً(7).
وذهب أبو حنيفة إلى القول بجواز استئجار المرضع بالطعام والكسوة دون غيرها،
لأن النص ورد بذلك، قال تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ
وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}(8).
وذهب المالكية، والحنابلة في قول إلى أنه يجوز مطلقاً، وذلك للنص في الآية
الكريمة السابقة ويقاس عليها غيرها من الأجراء(9).
- الأجرة بعض الناتج من العمل:
اختلفت آراء الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يجوز أن
تكون الأجرة بعض الناتج من عمل الأجير، وبهذا قال الحنفية.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قفيز الطحان، ولأن المستأجر يكون
عاجزاً عن تسليم الأجرة إلا بفعل الأجير1).
ومن الصور غير الجائزة عندهم أنه إذا دفع غزلاً إلى حائك لينسجه بالنصف،
فلا يجوز. والمعنى فيه: أن المستأجر عجز عن الأجرة، وهو بعض المنسوج والمطحون فلا
يجوز.
القول الثاني: يجوز إذا كانت
الأجرة جزءاً شائعاً مما عمل فيه الأجير تشبيهاً بالمضاربة والمساقاة، وعليه فيجوز
تأجير الدابة بنصف ربحها، وتأجير السيارة بنصف الناتج، وتأجير الزرع بنصف ما يخرج
منه([11]).
القول الثالث: أجاز المالكية
الإجارة على بعض ما يخرج من الأرض إن أمكن معرفة الأجرة بالتقدير كلقط الزيتون
بنصفه، وجعلوه من قبيل الجعالة وهي ما يتسامح فيه ما لا يتسامح في الإجارة([12]).
متى يمتلك المؤجر الأجرة؟
تملك الأجرة باشتراط تعجيلها في العقد نفسه، أو بالتعجيل من غير شرط أو
باستيفاء المعقود عليه.
وهل يملك المؤجر الأجرة بالعقد نفسه أو باستيفاء المنفعة؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب الحنفية
إلى أن الأجرة تجب بالعقد و تستحق باستيفاء المنفعة أو التمكين من استيفائها ما لم
يكن هناك شرط لتعجيل الأجرة أو تأجيلها، فالأجرة لا تملك بالعقد نفسه لأن المؤجر
لا يستحقها دفعةً واحدةً، وإنما يستحقها شيئاً فشيئاً بنسبة استيفاء المستأجر من
المنفعة. واستدلوا بقوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ
أُجُورَهُنَّ}([13]).
فالآية الكريمة تدل على أن الأجرة تستحق بعد تمام العمل لترتيب الأمر بإيتاء الأجر
على الرضاعة بالفاء، ولأن الأجرة في مقابل استيفاء المنفعة أو جزء منها فلا تملك
كاملة إلا بعد تسليم المنفعة كاملةً([14]).
و قد أخذت هيئة المحاسبة برأي الحنفية حيث نصت على ما يلي "تجب الأجرة
بالعقد و تستحق باستيفاء المنفعة أو التمكين من استيفائها بمجرد توقيع العقد...
إلخ" [15]
القول الثاني: ذهب المالكية
إلى أن الأصل تأجيل الأجرة إلى حين استيفاء المنفعة إلا في حالات هي:
أ- اشتراط التعجيل في العقد.
ب- جريان العرف بالتعجيل.
ج- تعيين الأجرة كثوب معين لأن الشيء المعين قد يتغير أو
يتغير ثمنه، فيكون غرراً، فإن لم يشترط التعجيل في هذه الحالة (وهي تعيين الأجرة)
كان العقد فاسداً.
د- وكذلك يشترط تعجيل الأجرة إذا كانت الأجرة غير معينة
والمنافع موصوفة في الذمة، ولم يشرع في استيفاء المنفعة حتى مضت ثلاثة أيام، وذلك
حتى لا يؤدي إلى صورة معاوضة الدين بالدين الممنوعة شرعاً"([16]).
القول الثالث: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الأجرة تجب بالعقد نفسه في الإجارة على الأعيان، ويجب تسليمها بتسليم العين والتمكين من الانتفاع وإن لم ينتفع فعلاً([17]).
واستدلوا بالآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}([18]).
أما إذا كانت الإجارة موصوفة في الذمة كالإجارة على عمل، فإن الأجر يملك
بالعقد، ويثبت ديناً في ذمة المستاجر لكن لا يستحق تسليمه إلا عند تسليم العمل إن
كان الأجير مشتركاً أو بمضي المدة إن كان الأجير خاصاً([19]).
والظاهر أن الأمر يرجع إلى العرف، ولا فرق بين أن تكون الإجارة على عمل
معين أو في الذمة.
وعلى القول بأن المستأجر يملك المنفعة بالعقد سواء قبل القبض أو بعد القبض،
وأن المؤجر يملك الأجرة بالعقد نفسه أو باستيفاء المستأجر للمنفعة يتفرع الحكم عند
الفقهاء في مسألة إعادة تأجير العين المؤجرة قبل قبض العين المؤجرة أو بعدها على
ما سيأتي بيانه.
المطلب
الرابع : أقسام عقد الإجارة :
يمكن بيان أقسام عقود الإجارة باعتبار المحل المعقود عليه؛ إلى إجارة أعيان،
وإجارة أعمال، وباعتبار تعيين المحل المعقود عليه؛ إلى إجارة معينة، وإجارة موصوفة
في الذمة، وإليك بيان ذلك بإيجاز.
القسم الأول: الإجارة باعتبار نوع المحل المعقود عليه:
الإجارة باعتبار نوع المعقود عليه نوعان: إجارة أعيان وإجارة أشخاص.
النوع الأول: إجارة الأعيان: محل العقد فيها هو منفعة عين كإجارة الدور والمنازل والحوانيت والآلات وهذا
يتضمن:
- إجارة العقار كإجارة الدور والأراضي.
- إجارة الدواب من الحيوانات وما يلحق بها من سيارات وطائرات وسفن.
- إجارة العروض كالملابس والأواني والخيام وغيرها من المنقولات.
النوع الثاني: إجارة
الأعمال: محل العقد فيها هو العمل، وهو ما يبذله الأجير من مهارات أو جهد
لأداء عمل معلوم لقاء أجر معلوم ومن ذلك: بناء الدور وخياطة الملابس وصبغ الثياب
وتطبيب المرضى، وهذا العقد يشمل أرباب الحرف والمهارات اليدوية والفكرية، وقد قسم
الفقهاء هذا النوع إلى قسمين:
1- يتضمن أحكام الأجير الخاص وهو الذي يقع العقد معه لمدة
معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميع المدة، وسمي خاصاً لاختصاص المستأجر بنفعه في
تلك المدة دون سائر الناس.
2- يتضمن أحكام الأجير المشترك، وهو الذي يتم التعاقد معه
على عمل معين كتطبيب مريض وخياطة ثوب، وبناء جدار، والمستأجر لا يستحق جميع نفعه
في المدة الزمنية، وسمّي مشتركاً؛ لأنه يتقبل أعمالاً لآخرين في وقت واحد فهم
يشتركون في منفعته.
القسم الثاني: الإجارة باعتبار تعيين المحل وعدم تعيينه:
تنقسم الإجارة بهذا الاعتبار إلى نوعين:
النوع الأول: الإجارة
المعينة، وهي التي يكون نوعها معيناً بالرؤية أو الإشارة أو نحو ذلك مما يميزه عن
غيره. فالمستأجر يستوفي المنفعة المعقود عليها من العين المؤجرة بذاتها سواء كانت
عيناً أو شخصاً.
النوع الثاني: الإجارة الموصوفة
في الذمة؛ وهي التي يكون محلها غير معين بذاته، وإنما يعين بالوصف، والمؤجر لا
يلتزم في هذا النوع بتسليم عين أو شخص بذاته وإنما يلتزم بتسليم ما تنطبق عليه
الصفة كاستئجار سيارة موصوفة وصفاً منضبطاً لمدة شهر مثلاً(1).
المطلب
الخامس : أحكام الإجارة :
للإجارة عدة أحكام وآثار تترتب على انعقادها ومن هذه الأحكام ما يلي:
1-
ثبوت ملك المنفعة للمستأجر: وبالتالي يجب تسليم المنفعة له في الوقت المحدد(1).
2-
ثبوت الأجرة المسماة للمؤجر.
3- صيانة العين المؤجرة: الصيانة الأساسية للعين المؤجرة
التي يتوقف عليها بقاء المنفعة وعمارتها على المؤجر سواء أقارن الخلل العقد أم طرأ
بعد العقد، ولكن لا يجبر المؤجر على العمارة، وللمستأجر فسخ العقد إذا لم يرض بهذا
الخلل أما إن رضي به فليس له الفسخ وعليه الأجرة(2).
ويجوز أن يوكل المؤجر المستأجر في إجراء الصيانة اللازمة على حساب المؤجر، أما
الصيانة التشغيلية أو الدورية فهي على المستأجر ويرجع إلى العرف في معرفة كل منهما(3).
هذا بناء على أن العين المؤجرة في ضمان المؤجر طيلة مدة الإجارة ما لم يقع
من المستأجر تعد أو تقصير.
وهذا ما أخذت به المادة التاسعة من عقد التأجير التمويلي ، حيث جاء فيها :
"يلتزم
الفريق الثاني (المستأجر) باستخدام العين المؤجرة في الغرض الذي خصصت من أجله،
وصيانتها الصيانة الدورية والتشغيلية اللازمـة وأي صيانة تحتاج إليهـا، وعلى
نفقته، ويحق للفريق الأول أو من يعينه أن يجري كشفاً دوريا على العين المؤجرة طوال
فترة الإيجار للتحقق من حسن استخدامها، وانه تجري عليها الصيانة العادية والدورية
اللازمة، كما يلتزم الفريق الثاني بجميع النفقات والمصاريف المتعلقة بأي أعطال تطرأ
على شبكة المياه والمجاري والكهرباء وأي أعطال أخرى، ويتعين على الفريق الثاني
تسهيل مهمة الفريق الأول (المؤجر) في
إجراء الكشف الدوري حسب ما هو مذكور أعلاه " .
4- التأمين على العين: لما كانت العين المؤجرة على ضمان
المؤجر، فإن المقصود من التأمين بقاء العين وترميم الأضرار التي قد تصيبها بالتلف،
وعليه فإن نفقة التأمين تكون على المؤجر، ويمكن للمؤجر أن يأخذها بعين الاعتبار
ضمناً عند تحديد الأجرة، ولكن لا يجوز له تحميل المستأجر بعد العقد أي تكلفة
إضافية زادت على ما كان متوقعاً عند تحديد الأجرة، ويمكن للمؤجر أن يوكل المستأجر
في القيام بإجراءات التأمين على حساب المؤجر(4).
وأخذ بهذا البنك الإسلامي الأردني كما في البند العاشر
من عقد التأجير التمويلي ، فقد جاء فيه ما نصه : "يحق للفريق الأول ( إذا ما
رغب دون أي إلزام عليه ) أن يؤمن على العين المؤجرة ضد جميع الأخطار أو بعضها لدى
شركة تأمين تعمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية الغراء، أو ما تراه هيئة الرقابة
الشرعية للبنك، ويكون التأمين لمصلحة الفريق الأول (المؤجر)، وعلى نفقته " .
5- البراءة من عيوب العين المؤجرة: "لا يجوز للمؤجر أن
يشترط براءته من عيوب العين المؤجرة التي تخل بالانتفاع، أو أن يشترط عدم مسؤوليته
عما يطرأ على العين من خلل يؤثر في المنفعة المقصودة من الإجارة سواء أكان بفعله
أم بسبب خارج عن إرادته"(5).
لأن المؤجر إذا اشترط البراءة من العيوب وتعطلت المنفعة، صارت الإجارة من
قبيل أكل المال بالباطل.
ومستند ذلك أن هذا الاشتراط يخالف مقتضى عقد الإجارة لأن بقاء المنفعة واجب
على المؤجر ولا يتحقق ذلك إلا بسلامة العين وصيانتها وذلك لاستحقاقه الأجرة التي هي
مقابل المنفعة.
"وفي حالة الهلاك الجزئي للعين المخل بالمنفعة يحق للمستأجر فسخ
الإجارة، ويجوز أن يتفقا في حينه على تعديل الأجرة في حالة الهلاك الجزئي للعين
إذا تخلى المستأجر عن حقه في فسخ العقد، ولا يستحق المؤجر أجرة عن مدة التوقف عن
الانتفاع إلا إذا عوضها (بالاتفاق مع المستأجر) بمثلها عقب انتهاء المدة المبينة في
العقد"(6).
وقد خلا عقد التأجير التمويلي للبنك الإسلامي الأردني من مثل هذا الاشتراط
، تجنباً للمحاذير الشرعية التي لفت العلماء الانتباه إليها .
6- ضمان العين المؤجرة بالتعدي أو التقصير: الأصل أن المستأجر
يده يد أمانة على العين المؤجرة، وبالتالي فهو لا يضمن إلا بتعديه. أو بالتقصير في
حفظها واستعمالها(7).
ونصت هيئة المحاسبة على ما يلي:
"العين المؤجرة أمانة عند المستأجر فلا يضمنها إلا إذا حصل الهلاك
بالتعدي أو التقصير منه وحينئذ يعوضها بمثلها إن كان لها مثل، وإلا فإنه يتحمل
القيمة التي تقدر بها عند الهلاك"(8).
كما نصت على أنه: "إذا فاتت المنفعة كلياً أو جزئياً بتعدي المستأجر
مع بقاء العين فإنه يضمن إعادة المنفعة أو إصلاحها، ولا تسقط الأجرة عن مدة فوات
المنفعة"(9).
7- التجاوز في الاستعمال المعتاد أو الملائم للعين المؤجرة:
يجب على المستأجر التقيد بالاستعمال الملائم أو المعتاد للعين المؤجرة أو المتعارف
عليه، والتقيد بالقيود المقبولة شرعاً، كما يجب تجنب إلحاق ضرر بالعين بسوء
الاستعمال أو بالتعدي أو الإهمال ، هذا ما نصت عليه المعايير الشرعية(10).
أما القيود
التي تنافي مقتضى العقد لا يجوز الوفاء بها وتلغى ولا تفسد العقد.
وقد جاء في المادة الثامنة من عقد التأجير التمويلي الخاص بالبنك الإسلامي
الأردني ما يغطي هذا الحكم ، ونصه : " يتحمل الفريق الثاني (المستأجر)
مسؤولية سلامة المأجور غير المنقول وتبعة أي مخاطر متعلقة بهلاكه أو تلفه أو سوء
استخدامه أو استغلاله وأي مخاطر أخرى منذ لحظة تسلمه الفعلي له، ما لم يكن هلاك
المأجور عائداً لظروف قاهرة أو لسبب خارجي لا يد له فيـه " .
8- إعادة تأجير العين المؤجرة:
سبق القول عند تعريف عقد الإجارة بأنه عقد يفيد تمليك منفعة بعوض، ولما كان
عقد الإجارة من العقود الملزمة لطرفي العقد مدة العقد، فإن للمستأجر الحق في أن
يستبد بالمنفعة لنفسه أو أن يملكها لآخر شريطة أن لا تختلف باختلاف المستعملين
لها. وهذا يعني أن للمستأجر الحق في إعادة تأجير المنفعة المستأجرة، وهذا ما
ذهب إليه جمهور الفقهاء، ونقل عن بعض التابعين بأن إجارة العين المؤجرة لا
تجوز مطلقاً، وروى هذا عن أحمد ابن حنبل(11)،
ولجمهور الفقهاء في هذه المسألة تفصيل حيث يفرقون في الحكم بين التأجير قبل قبض
العين المؤجرة والتأجير بعد قبض العين على النحو الآتي:
- المسألة الأولى: حكم التأجير قبل قبض العين المؤجرة:
ذهب المالكية، والحنابلة في رأي، والشافعية في قول، إلى جواز التأجير قبل قبض العين سواء كانت العين المؤجرة
عقاراً أو منقولاً، لأن المعقود عليه هو المنافع وهي لا تصير مقبوضة بقبض العين،
فلا يؤثر فيها القبض أو عدمه(12).
وذهب الحنابلة في رأي آخر، والشافعية في
قول ثانٍ، ومحمد بن الحسن، إلى عدم جواز التأجير قبل القبض، وذلك قياساً على عدم
جواز بيع المبيع قبل قبضه(13).
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى التفريق بين العقار والمنقول، فيجوز تأجير العقار قبل قبضه، وأما المنقول: فلا يجوز
قبل قبضه قياساً على البيع(14).
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يجوز له أن يؤجرها قبل القبض من مؤجرها لأنها في قبضته.
- المسألة الثانية: حكم التأجير بعد قبض العين المؤجرة:
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة في الأصح
عندهم(15)، إلى أنه يجوز
للمستأجر أن يؤجر العين التي استأجرها لآخر بعد قبضه لها في مدة العقد، إذا كانت
العين المستأجرة لا تختلف باختلاف المستعملين؛ لأن المنفعة صارت ملكاً له،
وانتقالها إليه أثر من آثار عقد الإجارة، فله الحق في أن يستوفيها بنفسه أو يؤجرها
لغيره بعد قبضها سواء أجرها من مؤجرها، أو لغير مؤجرها ممن هو مثله في الاستعمال(16).
وذهب القاضي من الحنابلة إلى عدم الجواز مطلقاً، لأن المنافع لم تدخل في ضمانه، ولأنه يؤدي إلى ربح ما لم
يضمن(17).
وما ذهب إليه جمهور الفقهاء أرجح؛ لأن قبض العين قام مقام قبض المنفعة.
مقدار الأجرة عند إعادة التأجير:
يترتب على القول بجواز إعادة التأجير للعين المؤجرة الحاجة إلى بيان حكم
مقدار الأجرة في الإجارة الثانية، بمعنى إذا جاز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة
لآخر، فهل له أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها به، أو أقل منه؟ وهل له أن يؤجرها بجنس
الأجرة الأولى؟ وهل له أن يؤجرها من المؤجر الأول؟
- المسألة الأولى: مقدار الأجرة:
ذهب المالكية، والشافعية، وأحمد في أصح الأقوال عنه، إلى أن له أن يؤجر بمثل الأجرة الأولى أو أكثر منها أو
أقل منها، وذلك لأن الإجارة بيع، وله أن يبيع بمثل الثمن أو أكثر أو أقل(1).
وذهب الحنفية، وأحمد في قول آخر، إلى أنه إن أحدث زيادة على العين المستأجرة تزيد معها قيمتها كتجصيص وترميم
أو فرش جاز له الزيادة في الأجرة، وإلا فلا. واستدلوا بعموم النهي عن ربح ما لم
يضمن، بخلاف ما لو عمل فيه عملاً فيجوز؛ لأن الربح يكون في مقابلة العمل الذي
أحدثه فيها(2).
وذهب أحمد في قول ثالث، إلى أن له
الزيادة في الأجرة بإذن المؤجر وإلا فلا(3).
- المسألة الثانية: تأجير منفعة
العين المؤجرة بمنفعة عين أخرى:
ذهب المالكية، والشافعية، وأحمد في أصح الأقوال عنه، إلى أنه له أن يؤجر منفعة العين المستأجرة بمنفعة أخرى
اختلفت معها في الجنس أو اتفقت معها في الجنس، وسواء كانت أكثر منها أو أقل، كأن
يؤجر سكنى الدار التي استأجرها بسكنى دار أخرى أو باستعمال سيارة لمدة معينة؛ لأن
المنافع تقوم مقام الأعيان في الشرع، ولأنها مختلفة وإن اتحدت في الاسم(4).
و عليه فإنه يجوز للمستأجر التأجير من الباطن للخدمات إجارة معينة بأقل من
الأجرة المذكورة في العقد.
جاء في كشاف القناع للبهوتي: "وإذا تقبل الأجير عملاً في ذمته بأجرة
كخياطة أو غيرها فلا بأس أن يقبله غيره بأقل منها أي أجرته، ولو لم يعين فيه بشيء
من العمل، لأنه إذا جاز أن يقبله بمثل الأجر الأول أو أكثر جاز بدونه كالبيع
وكإجارة العين"(5).
وهذا نص صريح في جواز التأجير من الباطن للخدمات إجارة معينة، والله تعالى
أعلم.
وذهب الحنفية إلى عدم الجواز إذا اتحد جنس المنفعتين، كسكنى دار بسكنى دار أخرى، وذلك لأن المنفعتين معدومتان
وقت العقد، ولأن العقد يثبت شيئاً فشيئاً على حسب حدوث المنفعة، فإذا اتحد الجنس
كان ذلك مبادلة الجنس بجنسه نسيئة فيجري فيه ربا النسيئة لاتحاد الجنس(6).
- المسألة الثالثة: تأجير العين
المستأجرة للمؤجر:
ذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة في وجه، إلى صحة إجارة العين المؤجرة لغير مؤجرها كما تصح لمؤجرها بمثل الأجرة،
وبزيادة على الأجرة التي استأجر بها، لأنه عقد يجوز برأس المال فجاز بزيادة ولو لم
يقبض المستأجر المأجور سواء أجره لمؤجره أو غيره لأن قبض العين لا ينتقل به الضمان
إليه، فلم يقف جواز التصرف عليه، بخلاف بيع المكيل ونحوه قبل القبض، ما لم تكن
إجارته لمؤجره بزيادة حيلة كعينة بأن أجرها بأجرة حالة نقداً، ثم أجرها بأكثر منه
مؤجلاً فلا تصح(7).
وذهب الحنابلة في وجه آخر إلى أنه لا
يجوز قبل القبض ويجوز بعده قياساً على البيع(8).
وذهب الحنفية إلى عدم الجواز مطلقاً قبل القبض أو بعده؛ لأنها تشبه بيع العينة المنهي عنه(9).
1- انتهاء عقد الإجارة:
عقد الإجارة من العقود اللازمة(10)،
فلا يمكن انفراد أحد أطرافه بفسخه إلا بمبرر يبرر هذا الفسخ، لأن عقد الإجارة عقد
معاوضة فكان لازماً كالبيع، والحنفية يرون فسخه بالعذر(1).
وقد نصت المعايير الشرعية على أن "عقد الإجارة عقد لازم لا يملك أحد
الطرفين الانفراد بفسخه أو تعديله دون موافقة الآخر، ولكن يمكن فسخ الإجارة بالعذر
الطارئ(12)
وبهذا تكون الهيئة قد أيدت رأي الحنفية بالفسخ بالعذر الطارئ.
والإجارة تنتهي بعدة أمور نوجزها فيما يلي:
1. يجوز إنهاء عقد الإجارة برضا الطرفين قبل سريان العقد وتسمى الإقالة(13).
2. انقضاء مدة الإجارة المحددة.
و كما تفسخ الإجارة بالعذر الطارئ فإنه يجوز تمديد عقد الإجارة للعذر
الطارئ بأجرة المثل.
مثاله: تأخر بلوغ الأماكن المقصودة من استئجار وسائل النقل، وعدم نضج الزرع
في الأرض المستأجرة للزراعة، فهنا لا بد من تمديد المدة حتى ينضج الزرع، دفعاً
للضرر الذي قد يقع على المستأجر، بأجرة المثل(14).
وقد أخذت هيئة المحاسبة برأي الحنفية فنصت على ما يلي: "تنتهي الإجارة
بانتهاء مدتها، ولكنها تبقى للعذر درءاً للضرر؛ مثل تأخر بلوغ الأماكن المقصودة من
استئجار وسائط النقل، وعدم نضج الزرع في الأرض المستأجرة للزراعة. وتستمر الإجار
حينئذ بأجرة المثل. ويجوز تجديد الإجارة لمدة أخرى بعدها سواء حصل التجديد قبل
المدة الأصلية أم تلقائياً بوضع نص في العقد بالتجديد عند دخول فترة جديدة إذا لم
يتم الإشعار برغبة أحد الطرفين في عدم التجديد"(15).
3. موت العاقدين أو أحدهما عند الحنفية.
وذلك لأن العقد
ينعقد عندهم ساعة فساعة بحسب حدوث المنافع، فإن مات المستأجر فإن المنفعة لا تورث،
وإن مات المؤجر فالمنافع التي تستحق بالعقد هي التي تحدث على ملكه فلم يكن عاقداً
ولا راضياً بها. أي أنه إذا مات المؤجر وقلنا بأن الإجارة لم تنفسخ فإن المنفعة
التي يأخذها المستأجر أصبحت خارجة عن ملك المؤجر، ولو مات المستأجر وقلنا بأن
الإجارة لم تنفسخ، فبأي حق يطلب المؤجر من ورثة المستأجر الأجرة وهم لم يتعاقدوا
معه(16).
أما المالكية(17)
والشافعية(18)
والحنابلة(19)
فإن عقد الإجارة لا ينتهي عندهم بموت العاقدين بل يبقى إلى تمام مدته لأنه عقد
لازم كالبيع.
وقد أخذت هيئة
المحاسبة برأي الجمهور حيث نصت على ما يلي: "لا تنتهي الإجارة بوفاة أحد
المتعاقدين على أنه يجوز لورثة المستأجر فسخ العقد إذا أثبتوا أن أعباء العقد
أصبحت بسبب وفاة مورثهم أثقل من أن تتحملها مواردهم أو أنها تتجاوز حدود حاجتهم(20).
وقد أحسنت
الهيئة في أخذها برأي الجمهور استقراراً للمعاملات ما لم يترتب على بقاء العقد
إضرار بالورثة.
4. الهلاك الجزئي، والكلي للعين المؤجرة.
تنتهي الإجارة
بالهلاك الكلي للعين المؤجرة في إجارة العين المعينة أو بتعذر استيفاء المنفعة منها،
سواء هلكت ابتداء أو في أثناء المدة، وذلك لتعذر الانتفاع بمحل العقد، فلا فائدة
منه(21).
ولا تنتهي الإجارة بالهلاك الجزئي حيث تبقى في الجزء الذي لم يهلك إن رضي بذلك
المستأجر، وللمستأجر الحق في فسخ عقد الإجارة، ولا يستحق المؤجر أجرة عن المدة
التي توقف الانتفاع فيها بالعين المؤجرة بسبب الهلاك الجزئي، لتعذر الانتفاع بها
وقد نصت المعايير الشرعية على أحكام الهلاك الجزئي في المعيار رقم 7/1/5.
كما نصت على
أحكام الهلاك الكلي في المعيار 7/2/4 ، هذا إذا كانت الإجارة على معين أما إذا
كانت الإجارة على عين موصوفة في الذمة فإن على المالك في حالتي الهلاك الكلي
والجزئي تقديم عين بديلة بمواصفات مماثلة للعين الهالكة، ويستمر عقد الإيجار لباقي
المدة إلا إذا تعذر البديل فينفسخ العقد عملاً بفسخ العقد
بالعذر الطارئ كما جاء في المعيار 7/2/1.
5. فسخ الإجارة للإخلال بالشرط:
إذا اشترط المؤجر
فسخ العقد لعدم سداد المستأجر الأجرة أو تأخيرها، فيعمل بالشرط؛ لأن المسلمين عند
شروطهم(22).
6. فسخ الإجارة للعيب الحادث المخل بالانتفاع:
يفسخ عقد
الإجارة إذا حدث بالعين المؤجرة عيب مخل بالانتفاع المقصود(23).
المبحث الثاني: الإجارة المنتهية بالتمليك نشأتها ومفهومها وصورها وأحكامها
ونتناول الكلام
عن هذا المبحث في المطالب التالية :
المطلب الأول :
نشأة عقد الإجارة المنتهية بالتمليك .
المطلب الثاني
: مفهوم عقد الإجارة المنتهية بالتمليك .
المطلب الثالث
: صور عقد الإجارة المنتهية بالتمليك .
المطلب الرابع
: أحكام عقد الإجارة المنتهية بالتمليك .
لقد ظهر هذا
العقد في العصر الحديث، لذلك لم يكتب أحد من الفقهاء القدامى تعريفاً له، أما
المعاصرون فقد عرّفوه بتعريفات متباينة تبعاً لتصور كل منهم لحقيقة هذا العقد.
ولما كانت نشأة
هذا العقد لها أثر كبير في بيان حقيقته، فإننا سنتحدث بإيجاز عنها قبل أن نتحدث عن
مفهومه عند نشأته، ومفهومه بعد ما طرأ عليه من صور تطبيقية نَحَتْ به عن مفهومه
عند نشأته، خصوصاً تلك الصور التي تطبقها المؤسسات المصرفية الإسلامية والتي
نستطيع القول بأنها نأت به بعيداً عن المفهوم الشائع في القوانين الوضعية، ليكون
منسجماً ومتفقاً مع قواعد الشريعة الإسلامية وأحكامها.
المطلب الأول : نشأة عقد
الإجارة المنتهية بالتمليك:
ظهر هذا العقد في إنجلترا سنة 1846م تحت
اسم الهاير بيرشاس (hire-purchase)، حين قام أحد تجار الآلات
الموسيقية ببيع هذه الآلات مع تقسيط أثمانها على عدة أقساط بقصد رواج مبيعاته،
ولكي يضمن الحصول على كامل الثمن لم يلجأ إلى الصورة المعتادة لعقد البيع، وإنما
أبرم العقد في صورة إيجار مع حق المستأجر في تملك الآلة باكتمال مدة الإيجار،
والتي يكون البائع معها قد استوفى كامل الثمن، ويعرف هذا العقد باسم (التأجير البيعي)
أو (الإيجار الساتر للبيع) وهو في حقيقته بيع محض، وقد انتشر هذا العقد وانتقل من
الأفراد إلى المصانع، وكان أول المصانع تطبيقاً له مصنع سنجر لآلات الحياكة، كما
انتشر تطبيقه من قبل بعض الشركات كشركات السكك الحديدية التي تأسست لتمويل شراء المركبات
وشركات الفحم والمحاجر ثم انتقل إلى شركات المقاولات وانتقل إلى الولايات المتحدة
عام 1953 وإلى فرنسا عام 1962، حيث اتخذ العقد طابعاً جديداً بدخول طرف ثالث بين
طرفي العقد الأصليين (المؤجر والمستأجر) وهذا الطرف الثالث هو الذي يقوم بتمويل
العقد بشراء أموال معينة من مالكها هي في العادة تجهيزات ومعدات صناعية وإنشائية،
ثم يقوم الممول (المؤسسة) بتأجيرها، والجديد أن المؤجر (المؤسسة) لا يكون مالكاً
للأصل أو الأشياء المراد تأجيرها، وإنما يقوم بشرائها خصيصاً لهذا الغرض، وبانتهاء
الفترة المتفق عليها يكون للمستأجر أحد الخيارات التالية:
- إعادة السلعة المؤجرة له إلى المؤسسة المالكة.
- تمديد مدة الإيجار لفترة أو فترات أخرى.
- تملك السلعة مقابل ثمن يراعى في تحديده المبالغ التي سبق له أن دفعها
كأقساط إيجار وقد عرف هذا العقد باسم (التأجير التمويلي).
وقد أدخل على
هذا العقد بعض التعديلات بحيث تشتري المؤسسة الممولة السلعة من المالك وتقوم
بتأجيرها إلى المستأجر مدة معينة ثم يقترن بالعقد شرط في صورة عقد مستقل ينص على
مواعدة بالبيع أو هبة العين في نهاية مدة الإيجار للمستأجر، وتطبق أحكام عقد
الإجارة خلال تلك المدة من حيث أن ضمان تبعة الهلاك وإجراء الصيانة الأساسية للعين
المؤجرة والتأمين عليها على المالك إلا أنه اقترن بالعقد وعد بالبيع أو بالهبة في
نهاية مدة الإجارة، ويراعى عند تحديد الأجرة (ثمن السلعة) مراعى فيها المدة
الزمنية التي يتم تقسيط الثمن عليها وهو ما يعرف (بالإجارة المنتهية بالتمليك) وهو
موضوع بحثنا(1).
وغني عن البيان أن العقود المشار إليها (التأجير
البيعي، التأجير التمويلي، الإجارة المنتهية بالتمليك) تختلف اختلافاً كبيراً عما
يعرف (بالإيجار التشغيلي)، وهو عقد الإيجار المتعارف عليه؛ لأنه لا يتضمن سوى
انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة مقابل أجرة يتفق عليها ولمدة معينة، وغالباً ما
تكون المدة الزمنية للإجارة أقل من العمر الإنتاجي للعين المؤجرة، ولا يتضمن حقاً
للمستأجر بشراء العين المستأجرة عند نهاية العقد، ويتحمل المؤجر تبعات الهلاك
والتأمين(2).
([1]) فيما سبق انظر د.
أبو العز، محمد السيد، المعالجة المحاسبية لعقود الإيجار، هيئة المحاسبة
للمؤسسات المالية الإسلامية، البحرين، 1996، الحافي، خالد عبد الله براك. الإجارة
المنتهية بالتمليك في ضوء الفقه الإسلامي. الطبعة الثانية, 1421 هـ-2001، ص62-65،
و د. إبراهيم دسوقي أبو الليل، البيع بالتقسيط والبيوع الائتمانية الأخرى، جامعة
الكويت، 1984م، ص32-34. وقحف، منذر ، سندات الإجارة والأعيان المؤجرة،
المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب/ جدة، 1995، ص15 و د. محمود فهمي وآخرون، التأجير
التمويلي، 1997 ص 137-140.
([2])عمر، محمد عبد الحليم
، التأجير التمويلي من منظور إسلامي، مجلة صالح كامل، عدد 7، سبتمبر 1998م،
ص245.
المطلب الثاني : مفهوم
عقد الإجارة المنتهية بالتمليك:
جاء في
التعريفات في المعايير الشرعية بيان لمفهوم عقد الإجارة المنتهية بالتمليك، بأنها:
إجارة يقترن بها الوعد بتمليك العين المؤجرة إلى المستأجر في نهاية مدة الإجارة أو
في أثنائها بوثيقة مستقلة عن عقد الإجارة ويتم التمليك بإحدى الطرق التالية:-
أ- وعد بالبيع بثمن رمزي أو بثمن حقيقي، أو وعد بالبيع في أثناء مدة الإجارة
بأجرة المدة الباقية أو بسعر السوق.
ب- وعد بالهبة.
ج- عقد هبة معلق على شرط سداد الأقساط(1).
وفي حالات إصدار وعد بالهبة أو وعد بالبيع أو عقد هبة معلق بمستندات مستقلة
لا يجوز أن يذكر أنها جزء لا يتجزأ من عقد الإجارة المنتهية بالتمليك.
ولما كان محل الإجارة المنتهية بالتمليك هو منفعة العين (إجارة الأعيان)
فإنه يمكن أن نستخلص تعريفاً للإجارة المنتهية بالتمليك بأنها "عقد يراد به
تمليك منفعة عين مشروعة معلومة لمدة معلومة بعوض معلوم يقترن به وعد بتمليك العين
المؤجرة إلى المستأجر في نهاية مدة الإجارة أو في أثنائها
بإحدى الطرق التالية: الوعد بالبيع أو الوعد بالهبة أو بهبة العين هبة معلقة على
شرط سداد جميع الأقساط".
الأسباب التي دعت إلى
التمويل عن طريق الإجارة المنتهية بالتمليك:
يمكن إيجاز هذه الأسباب والدوافع في النقاط التالية(2):
1- الحد من مخاطر الائتمان بعدم إمكانية تحصيل الأقساط، ففي البيع بأجل تنتقل
الملكية إلى المشتري فيصعب على البائع استرداد السلعة عند إفلاس المشتري، وفي
الإجارة المنتهية بالتمليك فإن ملكية عين السلعة تبقى في يد المؤجر، فيمكنه أن
يسترد السلعة إذا أفلس المستأجر أو لم يدفع الأقساط المترتبة عليه.
2- توفر هذه الصيغة للمستأجر الأصول اللازمة لنشاطه بطريقة سهلة وبدون دفع ثمن
مقدم كما في البيع بالتقسيط، وقد تمنحه ائتماناً بنسبة 100% من قيمة الأصل، ويسدده
من إيرادات استخدام الأصل.
3- هناك مزايا ضريبية لهذا العقد يحققها المؤجر ففي الولايات المتحدة
الأمريكية يسمح للمؤجر بخصم 10% من قيمة الأصول المؤجرة من الضريبة المستحقة عليه،
وفي مصر تعفى أرباح المؤجر من عمليات التأجير التمويلي من الضرائب لمدة خمس سنوات،
فضلاً عن الإعفاء الجمركي على الأعيان المستوردة بغرض التأجير.
4- تعدُّ بديلاً شرعياً للتمويل بعيداً عن الربا وعن الغرر أو الجهالة، وما
تتضمنه بعض صور التأجير المنتهي بالتمليك من تحديد القسط طبقاً لمؤشر غير منضبط،
فإنه تجنباً للغرر أو الجهالة المفضية للنزاع والمفسدة للعقد، فقد نصت المعايير
الشرعية على أنه يشترط أن يكون المؤشر منضبطاً ومرتبطاً بمعيار معلوم لا مجال
للنزاع فيه، وأن يوضع له حد أعلى وحد أدنى.
المطلب الثالث : صور الإجارة المنتهية بالتمليك(1):
تتنوع صور الإجارة المنتهية بالتمليك تبعاً لاتفاق المتعاقدين فيما إذا كان
العقد إجارة منتهية إلى التمليك بسداد القسط الأخير، أو عقد إجارة وعقد بيع معلق
على سداد الأجرة، أو عقد إجارة ووعد بالبيع، أو عقد إجارة مقترن بهبة معلقة على
شرط سداد جميع الأقساط الإيجارية، أو عقد إجارة ووعد بالهبة.
ونوضح هذه الصور فيما يلي:
الصورة الأولى: عقد إجارة ينتهي بالتمليك (بالبيع) بسداد القسط الأخير :
وهذه الصورة تتمثل في انتقال العين المؤجرة إلى ملك المستأجر مع آخر قسط
يدفعه دون الحاجة إلى إبرام عقد جديد، فيكون ثمن العين هو الأقساط التي دفعها
المستأجر إلى مالك العين الأصلي.
الصورة الثانية: عقد إجارة وعقد بيع معلق على سداد الأجرة :
وهذه الصورة تتمثل في انتقال العين المؤجرة إلى ملك المستأجر بإبرام عقد
جديد، هو عقد البيع عند نهاية مدة الإجارة مقابل مبلغ يدفعه المستأجر.
فهذه الصورة تجمع بين عقدين عقد الإجارة ابتداء وعقد البيع انتهاء.
الصورة الثالثة: عقد إجارة ووعد بالبيع
وفي هذه الصورة يَعِدُ المالكُ المستأجرَ بتمليكه العين المؤجرة في نهاية
المدة مقابل مبلغ معين بعقد بيع جديد، أو قد يعد المستأجر المالك بالشراء، أو يكون
الوعد متبادلاً من الطرفين.
الصورة الرابعة: عقد إجارة مقترن بهبة معلقة على شرط سداد جميع أقساط
الأجرة في المدة المحددة.
الصورة الخامسة: عقد إجارة ووعد بالهبة
وهي عقد إجارة ابتداء يصحبه وعد من مالك العين للمستأجر بهبة العين المؤجرة
له في آخر مدة الإجارة.
ولبيان الحكم الشرعي في هذه الصور المحتملة للإجارة المنتهية بالتمليك لا
بد من الوقوف على الضوابط الشرعية التي ينبني عليها الحكم في هذه الصور – صحة أو
بطلاناً –، وبيان آراء الفقهاء فيها والتي كانت مستنداً لهم في الحكم على الصور
السابقة ونوجزها فيما يلي:
- اشتراط عقد في عقد.
- تعليق عقد المعاوضة على شرط.
- تعليق عقد الهبة على شرط.
- مدى إلزامية الوعد في عقود المعارضات.
([1]) انظر: الشتري، سعد
بن ناصر بن عبد الله، عقد الإجارة المنتهي بالتمليك، دار
الحبيب،الرياض،2000م، ص14-15، الوادي، محمود حسين، سمحان، حسين محمد، المصارف
الإسلامية الأسس النظرية والتطبيقات العملية، دار المسيرة، الأردن، 2009م، ط3،
ص265، الشاذلي، حسن علي ، الإيجار المنتهي بالتمليك، أعمال الندوة الفقهية
الأولى لبيت التمويل الكويتي المنعقدة في الكويت 7-11 آذار 1987، ص501 .
الضوابط الشرعية التي استند إليها الفقهاء في الحكم على صور الإجارة المنتهية بالتمليك :
أولاً: اشتراط عقد في عقد:
يرى بعض العلماء أن عقد الإجارة المنتهية بالتمليك لا يجوز لأنه يجمع بين
عقدين في عقد واحد (بيعتين في بيعة واحدة)(1).
وهذا يقتضي بحث هذه المسألة وبيان آراء العلماء فيها:
الرأي الأول: ذهب جمهور
الفقهاء من الحنفية(2)
والشافعية(3)
والحنابلة(4)
إلى عدم جواز اشتراط عقد في عقد كأن يقول شخص لآخر بعتك داري بكذا على أن تبيعني
دارك بكذا.
واستدلوا: بأن هذا الأمر
من باب البيعتين في بيعة وقد نهي عنه بالحديث المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه
"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة"(5).
وفسروا الحديث بأن المراد به اشتراط عقد في عقد.
ووجه الدلالة من الحديث لغير القائلين بإباحة عقد الإجارة المنتهية
بالتمليك، أنَّ الحديث يمنع الجمع بين عقدين أو صفقتين في عقد واحد، وعقد الإجارة
المنتهية بالتمليك يجمع بين عقد الإجارة وعقد البيع على عين واحدة وهما مختلفان في
الحكم، فالبيع يوجب انتقال العين بمنافعها إلى المشتري حالاً، والإجارة توجب
انتقال منافع العين فقط إلى المستأجر، ومن ناحية أخرى فإن البيع مضمون على المشتري
بعينه ومنافعه، أما الإجارة فهي مضمونة على المؤجر عيناً ومنفعة(6).
الرأي الثاني: ذهب المالكية(7)
وابن تيمية(8)
إلى جواز اشتراط عقد في عقد إلا إذا كان أحدهما معاوضة والآخر تبرعاً كالجمع بين
البيع والقرض. وذلك لأن الأصل في المعاملات والشروط الحل والصحة(9).
ورد على المانعين بأن المقصود بالنهي في الحديث عن بيعتين في بيعة هو النهي
عن بيع العينة(10)
أو لعدم تعيين عوض كل منهما مع تفاوت الثمنين وهذا يعني جهالة الثمن وهي مفضية إلى
النزاع.
قال ابن رشد في بداية المجتهد: إن النهي جاء لأن البيع يكون بثمنين متفاوتين
بدون تعيين لأحد الثمنين وهذا نصه: "وهو أن يقول له أبيعك هذه الدار بكذا على
أن تبيعني الغلام بكذا، فنص الشافعي على أنه لا يجوز لأن الثمن في كليهما يكون
مجهولاً لأنه لو أفرد المبيعين لم يتفقا في كل واحد منهما الثمن الذي اتفقا عليه
في المبيعين في عقد واحد"(11).
وقد أجاز الفقهاء اجتماع عقد الإجارة مع عقد البيع في صفقة واحدة على عينين
مختلفتين ما دام العقدان لا يفضيان إلى الجهالة.
جاء في التهذيب : "لا بأس باجتماع بيع مع إجارة"(12).
وجاء في روضة الطالبين: "الضرب الثاني في جمع الصفقة أن يجمع عقدين مختلفي
الحكم، فإذا جمع في صفقة بين إجارة وسلم أو إجارة وبيع.... فقولان أظهرهما يصح
العقد فيهما... وصورة الإجارة والبيع بعتك عبدي وأجرتك داري بكذا..."(13).
وجاء في مطالب أولي النهي: "وإن جمع في عقد بين بيع وإجارة، بأن باعه
عبده وأجره داره بعوض واحد صحا...."(14).
وفي الإجارة المنتهية بالتمليك اجتمع عقد الإجارة وعقد البيع، في صفقة
واحدة على عين واحدة وقد قاس بعض المعاصرين هذه الحالة على ما أقره الفقهاء من
جواز اجتماع عقد الإجارة مع عقد البيع في صفقة واحدة على عينين مختلفتين، لأن
العلة في جواز الجمع أو عدمه هو تحقق الجهالة أو انتفاؤها.
قال الشاذلي: "أرى أنه لا مانع من اجتماع عقد البيع مع عقد الإجارة
سواء أكان العقدان واردين على محل واحد أو كانا واردين على محلين مختلفين طالما
توافرت أركان كل عقد منهما وشروط صحته"(15).
وعليه فإنني أميل إلى ترجيح القول بالجواز وهو ما ذهب إليه المالكية وشيخ
الإسلام ابن تيمية، لأن كل عقد جائز بمفرده ولم يرد دليل شرعي يمنع اجتماعهما ما
دام أن اجتماعهما ليس حيلة للوصول إلى الربا وما دام أن مقتضى كل عقد لا يتنافى مع
العقد الآخر، ولا يفضي إلى الجهالة الموجبة للنزاع المفسدة للعقود(16).
ثانياً: تعليق عقد المعاوضة على شرط
ذهب بعض العلماء إلى عدم جواز عقد الإجارة المنتهية بالتمليك استناداً إلى
أنه عقد معلق على شرط وهو غير جائز شرعاً، وهذا يقتضي بيان آراء العلماء في مسألة
تعليق عقد المعاوضة على شرط ومدى انطباقه على عقد الإجارة المنتهية بالتمليك.
للفقهاء في هذه المسألة رأيان:
الرأي الأول: ينحو جمهور
الفقهاء من الحنفية(17)
والمالكية(18)
والشافعية(19)
والحنابلة(20)
إلى القول بعدم صحة تعليق عقد المعاوضة على شرط .
كأن يقول إن قدم زيد فقد بعتك أو أجرتك، ذلك لأنَّ انتقال الأملاك يعتمد
الرضا، والرضا إنما يكون مع الجزم، ولا جزم مع التعليق.
وجاء في المجموع: "ولو قال بعتك هذا بألف إن شئت فقال شئت لم يصح
البيع بلا خلاف، وصرح به المتولي وغيره؛ قالوا لأن لفظ المشيئة ليس من ألفاظ
التمليك"(21).
وجاء في المقنع أن من الشروط الفاسدة "أن يشترط شرطاً يُعَلِّق
البيع"(22).
الرأي الثاني: وهو قول ابن
تيمية(23)
يصح تعليق عقد المعاوضة على شرط، لأن الأصل في الشروط في العقود الإباحة والصحة(24).
ثالثاً: تعليق الهبة على شرط
للعلماء في هذه المسألة رأيان كسابقتها:
الرأي الأول: وهو قول جمهور
العلماء من الحنفية(25)
والشافعية(26)
والحنابلة(27)،
حيث ذهبوا إلى عدم جواز تعليق الهبة على شرط، لأن الأصل في عقود المعاوضات أن تكون
منجزة غير معلقة.
والهبة تفيد تمليك العين للحال، فلا تحتمل التعليق بالخطر والإضافة إلى
الوقت كالبيع(28).
الرأي الثاني: وهو قول
المالكية(29)
وقول عند الحنفية(30)،
وقول شيخ الإسلام ابن تيمية(31)
حيث ذهبوا إلى جواز تعليق الهبة على شرط.
قال ابن نجيم: "الهبة يجوز تعليقها بالشرط الملائم"(32).
فالهبة من باب التبرع والتبرعات مبنية على التساهل؛ لأنها من باب التفضل.
رابعاً: مدى إلزامية الوعد
ذهب بعض العلماء إلى عدم جواز عقد الإجارة المنتهية بالتمليك؛ لأنه مبني
على وعد بالتمليك في بعض صوره، وهذا يقتضي أن نبين حكم الوعد والالتزام به.
تنوعت آراء العلماء في هذه المسألة تنوعاً كبيراً، لذا سأحاول أن أختصر هذه
الآراء فيما يأتي:
الرأي الأول: وهو رأي جمهور
فقهاء الحنفية(33)
ومذهب الشافعية(34)
ومذهب الحنابلة(35)،
حيث قالوا باستحباب الوفاء بالوعد، فالوعد غير ملزم قضاء عندهم وإن كان الواعد
مأموراً بالوفاء بوعده ديانة.
الرأي الثاني: وهو للحنفية،
يجب الوفاء بالوعد إن كان معلقاً على شرط، وإلا فلا يجب الوفاء به(36).
الرأي الثالث: وهو للمالكية، ولهم
في المسألة عدة أقوال(37):
القول الأول: يجب الوفاء
بالوعد مطلقاً لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ
تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون * كَبُرَ
مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُون}(38).
ولقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}(39)،
ولحديث: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ
أَخْلَفَ، وإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ"(40)
وهذا الرأي هو اختيار ابن تيمية(41).
القول الثاني: أن الوعد يكون
ملزماً إذا دخل الموعود بسبب هذه العِدة بشيء، وهو قول ابن القاسم وسحنون.
وأرى ترجيح قول المالكية وشيخ الإسلام ابن تيمية وهذا ما أخذت به المعايير
الشرعية في المرابحة والإجارة المنتهية بالتمليك42.
([5]) النسائي، أحمد بن
شعيب، (303هـ)، سنن النسائي بشرح السيوطي، دار إحياء التراث العربي، بيروت،
كتاب البيوع، بيعتين في بيعرة، رقم الحديث (2635)، ج6، ص296. وأخرجه أحمد
في مسنده، رقم الحديث (10157). قال الشيخ الألباني: صحيح، وأخرجه أبو داود
في سننه في كتاب البيوع، باب: بيعتين في بيعة، رقم الحديث (3461). وأخرجه الترمذي
في سننه، كتاب البيوع، باب فيمن باع بيعتين في بيعة، رقم الحديث (1231).
[42] ينظر المعايير الشرعية / الإجارة والإجارة
المنتهية بالتمليك – البند 2/3، ص112 .
المطلب الرابع : أحكام صور الإجارة المنتهية بالتمليك :
الصورة الأولى: عقد إجارة بشرط تمليك العين بسداد القسط الأخير
تتكون هذه الصورة من عقد واحد وهو عقد الإجارة بلفظ صريح، وشرط تمليك للعين
مع نهاية مدة الإجارة.
وفي هذه الصورة لا توجد حاجة إلى إبرام عقد جديد للبيع في نهاية المدة.
فهل تكيف الصورة على أنها بيع معلق؟
لقد دفعت الأقساط على انها أجرة للعين المؤجّرة، فلا تتحول إلى ثمن للعين
المؤجّرة في نهاية المدة، إن تحويل الأجرة إلى ثمن للعين المؤجرة لا ينسجم مع
قواعد العقود التي تحدد أن لكل عقد أحكامه وآثاره فور انعقاده صحيحاً(1).
وبناء على ذلك فإن هذه الصورة من صور الإجارة المنتهية بالتمليك غير صحيحة(2).
وقد منع مجمع الفقه الإسلامي هذه الصورة(3)
وعدّها من الصور الممنوعة، وهذا نص القرار:
"ثانياً: من صور العقد الممنوعة:
عقد إجارة ينتهي بتمليك العين المؤجرة مقابل ما دفعه المستأجر من أجرة خلال
المدة المحددة، دون إبرام عقد جديد، بحيث تنقلب الإجارة في نهاية المدة بيعاً
تلقائياً".
الصورة الثانية: عقد إجارة وعقد بيع معلق على سداد الأجرة
وهذه الصورة تتكون من عقدين عقد إجارة ابتداء وعقد بيع انتهاء معلق على
سداد الأجرة، لقد استوفى كل عقد شروطه وأركانه، وكان عقدهما في زمانين مختلفين
فعقد الإجارة في البداية وعقد البيع بعد سداد الأقساط.
وقد منع مجمع الفقه الإسلامي(4)
هذه الصورة أخذاً برأي جمهور الفقهاء الذين منعوا تعليق البيع على شرط، وذهب إلى
المنع مجلس كبار العلماء في المملكة العربية السعودية. ونصت هيئة المحاسبة والمعايير
الشرعية على أنه لا يجوز التمليك بإبرام عقد البيع مضافاً إلى المستقبل مع إبرام
عقد الإجارة(5).
وممن أجاز هذه الصورة الدكتور حسن الشاذلي، على ان يكون الثمن المحدد للبيع
ثمناً حقيقياً، وليس صورياً حتى تتحقق شروط واأكان عقد البيع(6)،
أخذاً برأي ابن تيمية في جواز تعليق عقد البيع على شرط.
الصورة الثالثة: عقد إجارة ووعد بالبيع
تتكون هذه الصورة من عقد واحد وهو عقد الإجارة ووعد بالبيع حال سداد الأجرة
المتفق عليها.
وبناء على القول بوجوب الوفاء بالوعد فإن هذه الصورة تكون صحيحة، وقد أخذت
بها المعايير الشرعية شريطة أن لا يكون الوعد ملزماً للطرفين(7).
جاء في معايير هيئة المحاسبة ما يلي: "في جميع حالات التمليك عن طريق
الوعد بالهبة أو البيع لا بد من إبرام عقد التمليك عند تنفيذ الوعد ولا تنتقل
ملكية العين تلقائياً بمجرد وثيقة الوعد الأولى"(8).
وقد أجاز مجمع الفقه هذه الصورة حيث جاء ذكر هذه الصورة من بين الصور
الجائزة في الإجارة المنتهية بالتمليك.
وهذا نص القرار:
"عقد يمكّن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، مقابل أجرة معلومة
في مدة معلومة، واقترن به وعد ببيع العين المؤجرة للمستاجر بعد سداد كامل الأجرة
بثمن يتفق عليه الطرفان"(9).
رابعاً: عقد إجارة مقترن بعقد هبة معلقة على شرط سداد جميع الأقساط
وتشمل هذه الصورة في شقها الأول عقد إجارة ابتداء وعقد هبة انتهاء معلق على
شرط صحيح وهو سداد الأقساط الإيجارية. وقد قلنا أن ابن تيمية أجاز تعليق الهبة على
شرط.
وفي هذه الصورة تنتقل الهبة مباشرة حال سداد الأقساط دون الحاجة إلى عقد
آخر، وبهذا أخذت المعايير الشرعية، حيث جاء فيها: "في حال اقتران عقد الإجارة
بعقد هبة معلق على شرط سداد جميع الأقساط الإيجارية في مواعيدها، وذلك بوثيقة
مستقلة منفصلة، تنتقل ملكية العين للمستأجر إذا تحقق الشرط دون الحاجة لأي إجراء
تعاقدي آخر، أما إذا تخلف المستأجر عن السداد في الموعد ولو لقسط واحد، فلا تنتقل
له الملكية لعدم تحقق الشرط"(10).
وقد ذهب مجمع الفقه الإسلامي إلى القول بصحة هذه الصورة حيث عدّها من بين
الصور الجائزة، وهذا نص قرار المجمع: "عقد إجارة يُمكّن المستأجر من الانتفاع
بالعين المؤجرة، مقابل أجرة معلومة في مدة معلومة، واقترن به عقد هبة العين للمستاجر،
معلقاً على سداد كامل الأجرة وذلك بعقد مستقل..."(11).
الصورة الخامسة: عقد إجارة ووعد بالهبة
وهذه الصورة: عقد إجارة ووعد بهبة العين المؤجرة. وهي كصورة الوعد بالبيع
سابقة الذكر تأخذ حكمها مع الالتزام بضوابطها.
وقد أقر هذه الصورة بيت التمويل الكويتي حيث جاء في قراره ما يلي:
"فإن العقد يصح إذا روعي فيه ما يلي:
(ج) نقل الملكية إلى المستأجر في نهاية المدة بواسطة هبتها إليه، تنفيذاً
لوعد سابق بذلك بين المالك والمستأجر"(12).
وقد ضبطت هيئة المعايير الصورة المقترنة بوعد الهبة أو وعد بيع أو عقد هبة
بالضابط التالي "في حالات إصدار وعد بالهبة أو وعد بالبيع أو عقد هبة معلق
بمستندات مستقلة لا يجوز أن يذكر أنها جزء لا يتجزأ من عقد الإجارة المنتهية
بالتمليك"(13).
المطلب
الخامس : أحكام بعض المسائل العملية :
(أولاً) فسخ العقد قبل ميعاده :
لمّا كان عقد الإجارة عقداً زمنياً يُضرب له أجل محدد ينتهي بانتهائه ، كان
لا بدَّ أنْ تظل التزامات المتعاقدين وحقوقهما قائمة طوال المدة الزمنية المحددة
للعقد ، لكن يحدث في الواقع لأسباب تتعلق بالمؤجر أو المستأجر ، أو لأسباب سماوية
قهرية لا دخل لأحدهما فيها ، أنْ يُفسخ العقد ، كما لو امتنع المستأجر مثلاً عن
دفع الأجرة المستحقة عليه للمؤجر ، أو أخلَّ المؤجر بواجبه في تمليك منفعة المأجور
للمستأجر ، أو تلف المأجور قضاءً وقدراً ، فهنا تنشأ مسكلة معالجة الدفعة الأولى ،
وكذا الأجرة المرتفعة التي أداها المستأجر للمؤجر خلال المدة الماضية قبل حدوث الفسخ
.
كما يُفسخ العقد أيضاً في حالات أخرى يرغب فيها المستأجر بتملك المأجور
فوراً وعدم انتظار المدة الطويلة للعقد رجاء أنْ يؤول إليه المأجور بطريق الهبة أو
البيع بثمن رمزي ، كونه لا يريد أنْ يموت مثقلاُ بالدين ، أو لا يريد نقل أعباء
دينه إلى ورثته من بعده ، لهذه الأسباب وغيرها تشتد حاجة المستأجر إذا توفرت لدية
السيولة النقدية أنْ يتخلص من أعباء عقد التأجير التمويلي ، والإشكال الذي تولده
هذه الحالة هو : كيف يتم إنهاء العقد الول ، وهل البنك ملزم بإجابة رغبة المتعامل
وتنفيذ طلبه ، وهل العقود المنفذة في المصارف الإسلامية تعالج هذه الحالات العارضة
.
نتناول المسائل –الآنفة الذكر- على النحو التالي :
(المسألة الأولى) فسخ العقد بالتراضي (الإقالة) :
قد يتفق العاقدان على فسخ عقد التأجير التمويلي ، وإلغاء حكمه وآثاره قبل
انتهاء مدته ، بحيث يُردُّ للمتعامل مبلغ الدفعة الأولى بالإضافة إلى ما زاد عن
أجرة المثل عن المدة الماضية التي استوفى فيها منفعة المأجور ، وهذه حالة نادرة
الووع في تطبيقات المصارف الإسلامية ، لأنها تتعارض مع مصلحة البنك ، ولا تتفق مع
سياسته في التمويل .
(المسألة الثانية) فسخ العقد بالعذر الطارئ :
قد يطرأ عذرٌ مفاجىء لا يد لأحد المتعاقدين فيه ، يجعلهما أو أحدهما عاجزاً
عن المضي في موجب العقد إلا بتحمل ضرر زائد يرهقه ، فيثبت للمتعاقد العاجز أو
المتضرر حق فسخ العقد دفعاً للضرر عنه ، وهذا ما أخذ به فقهاء المذهب الحنفي
(السرخسي 16/12) ، بينما ذهب فقهاء المذاهب الأخرى إلى أنَّ العقد لا ينفسخ إلا
بما تنفسخ به العقود اللازمة من وجود العيب ، أو فوات منفعة المأجور ؛ أي زوال
المحل المعقود عليه .
وهذا ما نجد المصارف الإسلامية تنحو إلى الأخذ به ، وتتبناه في التطبيق ،
ويظهر هذا لدى مراجعة العقد المخصص لهذه الصيغة من التمويل .
(المسألة الثالثة) فسخ العقد بسبب المستأجر :
قد يلجأ المؤجر إلى فسخ العقد مع المستأجر لعدم قيامه بتنفيذ التزاماته
الواجبة عليه بالعقد ، وذلك لضياع الفائدة التي ترجى من العقد ، وففإضرار بمصلحة
المؤجر ، فالإبقاء على العقد قائماً مع وجود هذا الإخلال ، لا يُجدي نفعاً ، فكان
الحلُّ نقضه وإبطاله .
كما قد يطلب المستأجر نفسه فسخ العقد وعدم إكماله ، لعدم قدرته على الوفاء
بالتزاماته ، أو لأي سبب آخر ، وفي هذه الحالة لا يحق للمستأجر شرعاً فسخ العقد
بإرادته المنفردة ، لأنذَ العقد لازم لطرفيه لا ينفسخ إلا باتفاق إرادتهما .
وبتطبيق ذلك على عمل المصارف الإسلامية خاصة مع تأكيد المعيار الشرعي على
وجوب تطبيق أحكام الإجارة العادية على عقد التأجير التمويلي الموقع بين البنك
وامتعامل ، نجد المصارف تستجيب لطلبات المتعامل بالفسخ الناشيء عن إرادته المنفردة
، لكنها لا ترجع له شيئاً ممَّا زاد عن أجرة المثل التي تمَّ استيفاؤها منه ، ولا
شيئاً من الدفعة الأولى ، فإما أنْ يحافظ على التزامه بالعقد أو أنْ يضحي بما قد
بذله بصفته أجرة للمؤجر عن المدة التي انتفع طوالها بمنفعة المأجور .
لكن المصارف الإسلامية عادة ما تتعاطف مع المتعاملين وتتلطَّف في مثل هذه
الحالات ، لكنها لا تتوسع في ذلك خشية أن تتوافد عليها طلبات الفسخ بكثره ، فتعمد
المصارف إلى إجراء دراسة مالية تتمحَّض عن إرجاع مبلغ معين لإرضاء المتعامل .
(المسألة الرابعة) فسخ العقد بسبب المؤجر :
كما لا يحق للمستأجر أنْ يفسخ العقد بمحض إرادته المنفردة ، كذلك لا يحق
للمؤجر أنْ يفسخ العقد بإرادته وحده ، لكن إذا أقال المستأجر المؤجر فأخلى ذمته من
الالتزامات الباقية ، فإنَّ العدل والمنطق يقضيان بحق المستأجر في استرداد مبلغ
دفعته الأولى ، وما زاد عن أجرة المثل التي دفعها للمؤجر ، أخذاً بالاعتبار أنه لم
يدفع ذلك الزائد إلا لأمله في أنْ يتملك المأجور بعد انتهاء مدة العقد .
(المسألة الخامسة) فسخ العقد بسبب الرغبة في التملك المبكر :
يرغب بعض المستأجرين حال توفر السيولة النقدية لديه في أنْ ينهي جميع
التزاماته مع البنك ، على أنْ يتنازل البنك له بالمأجور مقابل دفع مبلغ معين ،
والإشكال الذي يُثار هنا نصوغه بالسؤال التالي : هل مبلغ التنازل بالمأجور يحقق
رضا المتعامل أم لا ؟
وهذا الإشكال سببه أنَّ المتعامل حين العقد ، يكون المصرف قد اتفق معه على
تقسيم العائد الإيجاري إلى (أصل وربح) ، ويُعنى بالأصل مبلغ التمويل الفعلي الذي
قدمه البنك ، وبالربح العائد الذي يستحقه المصرف مقابل التأجير من كل قسط ، وبعد
مرور مدة معينة ، يأتي المتعامل بمبلغ يمثل ما تبقى من الأصل فقط دون الأرباح
ليدفعه مقابل تملك المأجور ، فيتفاجأ برفض البنك لذلك ، وسبب الرفض أنَّ ما
استوفاه البنك من أربح عند مدة الانتفاع لا يتسق مع السياسة الربحية التي يتبناها
المصرف ، إذ لو باعها بالمرابحة لاستفاد البنك أكثر من تأجيرها بعائد منخفض لمدة
طويلة ، فهل يتفق هذا الأسلوب مع أحكام الشريعة أم يتعارض معها ؟
تنص معايير المحاسبة الإسلامية على عدم جواز تقسيم العائد الإيجاري إلى أصل
وربح ، لأنَّ ما يستوفى بموجب عقد الإجارة المنتهية بالتمليك ليس ربحاً بل هو أجرة
عن مدة الانتفاع ، والإجراء الذي يتبعه البنك الإسلامي الأردني في حال ورود طلب
فسخ للعقد بقصد التملك المبكر هو :
1.
إنهاء عقد
التأجير التمويلي بالإقالة .
2.
بيع المأجور
للمتعامل بمبلغ يتم الاتفاق عليه بينهما ، قد يكون المبلغ عبارة عن ما تبقى من أصل
التمويل وقد يزيد وقد ينقص ، ويرجع تحديد المبلغ إلى دراسة تقدمها الدائرة المعنية
بهذا الصدد .
وتجدر الإشارة إلى أنَّ عقد التأجير التمويلي للبنك الإسلامي الأردني عالج
هذه الحالة ، حيث ينص البند الثالث عشر منه (التسديد المبكر والتملك) على ما يلي :
" يجـوز للمستأجر تملك المأجور مقابل تسديد جميع ما تبقى من بدل الإيجار- وأي
التزامات أخرى مترتبة بموجب هذا العقد- قبل انتهاء مدته " .
(ثانياً) الدفعة الأولى :
تشترط بعض المصارف الإسلامية بموجب تعليمات صادرة عن السلطات الإشرافية
كالبنك المركزي على المتعامل بصيغة الإجارة التمليكية أنْ يدفع للبنك (20%) من ثمن
العقار المنوي شراؤه ثم تأجيره ، ولو كانت المعاملة بيعاً لتم احتسابه كجزء من ثمن
المبيع ، لكن الأمر يختلف تماماً إذا كانت المعاملة إجارة ؛ إذ لا يمكن اعتبارها
جزءاً من ثمن العقار ، لذا اتجهت الآراء الفقهية الحديثة إلى اعتبار المبلغ المقدم
دفعة إيجارية معجلة .
وفي التطبيق المصرفي توزع بعض
المصارف هذه الدفعة على سنوات العقد كلها ، وبعضها يحتسبها عن السنة الأولى من مدة
العقد ، وهذا ما أخذ به البنك الإسلامي الأردني ، حيث ينص البند الرابع من نموذج
(طلب شراء أموال منقولة أو غير منقولة بقصد الاستئجار) على ما نصه : " تعتبر
الدفعة المدفوعة من قبلنا مقدماً لكم ، والبالغة ........... دينار ، دفعة إيجارية
معجلة محتسبة عن السنة الأولى من مدة العقد، عدا عن دفع الأقساط الأخرى المبينة في
البند الرابع من عقد التأجير التمويلي المعتمد لديكم، ومن المفهوم أن العقد يفسخ
بتراضي الطرفين و/أو حسب أحكامه ، وفي حال حصول خلاف ، تفصل هيئة الرقابة الشرعية
في هذا الخلاف ، ويكون قرارها قطعياً وملزماً للفريقين " .
(ثالثاً) ربط الأجرة بأحد المؤشرات غير المنضبطة كالليبور والسيبور ونحوهما
:
هذا وقد أجاز المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية
الإسلامية في البند (5/2/3) من المعيار الشرعي رقم (9) {الإجارة والإجارة المنتهية
بالتمليك} ، ربط الأجرة بمؤشر منضبط يقطع النزاع ، ويرفع الجهالة ، وهذا نصُّه :
" في حالة الأجرة المتغيرة يجب أن تكون الأجرة للفترة الأولى محددةً بمبلغ
معلوم ، ويجوز في الفترات التالية اعتماد مؤشر منضبط ، ويشترط أن يكون هذا المؤشر
مرتبطاً بمعيار معلوم لا مجال فيه للنزاع ؛ لأنه يصبح هو أجرة الفترة الخاضعة
للتحديد ، ويوضع له حدٌّ أعلى ، وحدٌّ أدنى " .
وكذلك أصدر المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته الثامنة عشرة
المنعقدة بمدينة باريس في جمهورية فرنسا في الفترة الواقعة في 1-5 تموز 2008م
قراره (3/18) بند (6/3) القاضي بإجازتها ، ونصه : " أنْ تكون الأجرة محددة
معلومة لا تبقى معها جهالة مؤدية إلى النزاع ، ويجوز ربطها بمؤشر معلوم (مثل
لايبور) بأنْ يتفق الطرفان على أنَّ الأجرة المتغيرة مرتبطة بلايبور زائداً أو
ناقصاً ، ويجوز كذلك تحديد الأجرة في الإجارة الواردة على العمل بمبلغ يومي أو
شهري أو سنوي ، وربطه ربطاً قياسياً بمؤشر التضخم الذي تصدره الدولة في كل فترة
" .
ويستخدم البنك الإسلامي هذا الأسلوب في التعامل مع الأجرة ، حيث يُخضع
الأجرة إلى التغير الذي يحدث على مؤشر سعر إعادة الخصم ، وفي حالة تعديل الأجرة
يُرسلُ إشعاراً بذلك إلى العميل المستأجر كما هو منصوصٌ عليه في البند 4/3 من بنود
العقد ، ويُعتبر هذا الإشعار بمثابة إقرارٍ بالموافقة من المستأجر بزيادة الأجرة
الجديدة ، دون الحاجة إلى إعراب المستأجر عن موافقته خطياً .
ومستند هذا الإجراء أنَّ العلة التي اشترط الشارع الحكيم لأجلها العلم
بالأجرة هي : نفي الغرر والجهالة المفضيان إلى الخصومة والمنازعة ، فإذا اعتُمِدَ
في تحديد عوائد الإجارة مؤشرٌ استرشاديٌ مرتبطٌ بمعيارٍ معلوم لا مجال فيه للنزاع
، انتفت علة المنع ، بل إنَّ ربط الأجرة بمعدل سعر إعادة الخصم أبعد للعاقدين عن
التغابن المؤدي للشقاق والنزاع من جعل الأجرة ثابتة .
وبما أنَّ المناط الذي يعتمد عليه الفقهاء عند بحثهم لأحكام الأجرة هو
العلم بها عن طريق تحديدها تحديداً يعلمه الطرفان ، بحيث يقف كبيِّنةٍ أمام أي
دعوى أو معارضة محتملة بشأنه من أحد الأطراف المتعاقدة ، فإنَّ الخلاف الواقع في
حكم الأجرة المتغيرة مردُّه اختلاف الفقهاء في مدى تحقق هذا المناط في مسألة ربط
الأجرة بمؤشر متغير منضبط ؛ فبعضهم يرى أنَّ ربط الأجرة بمؤشر سعر الفائدة ينفي عن
الأُجرة الغرر الفاحش ، والجهالة البالغة المفسدة للعقود ؛ إذ الغرر ما كان مجهول
المآل والعاقبة ، لا يدري أحد العاقدين كم يدفع وكم يأخذ ، بل لا يدري أحياناً هل
سيأخذ مقابل ما قدَّم شيئاً أم لا ، بينما الأجرة المربوطة بمؤشر الفائدة تؤول إلى
علم لا يختلف عليه المتعاقدان ، فليست مجهولة العاقبة ، ولعلَّ في بعض التطبيقات
العملية التي ساقها بعض الفقهاء الأجلاء في بطون الكتب الفقهية المعتمدة تحت باب
الإجارة ، وأجازوها : مثل : (إجارة المرضع
، والأجرة بجزء محدد أو شائع من الإنتاج ، واستئجار الأجير في مقابل كسوته وإطعامه
، وإجارة الأرض بجزء من نتاجها ونحو ذلك) ما يؤيد القول بجواز ربط الأجرة بمؤشر
متغير منضبط ؛ لتحقق المناط –المشار إليه أعلاه- في جميعها ، وهذا لا يعني خلوَّ
ساحتها (أي التطبيقات الفروعية المتقدمة) من الجهالة تماماً ، لكن القدر الذي
أصابها من الجهالة ليس فاحشاً كبيراً بحيث يربك العقد ، ويخلّ بالتزاماته ؛ فهو من
جهة يتعلق بالتغير في الأجرة وليس بأصلها ، ومن جهة أخرى فإنَّ ربطها بمؤشر تصدره
جهة رقابية إشرافية خارجية غير المتعاقدين ، مع نشر المعلومات حوله قبل دفع الأجرة
، يجعل حجم الغرر فيها يسيراً لا يضر ؛ لأنه لا يؤدي إلى النزاع ، فلا يمنع من
تنفيذ العقد .
(رابعاً) هل المغالاة في العائد الإيجاري يؤثر في الرضا الذي هو قوام العقد
؟
الأجرة كالربح لاحدَّ لأكثرها ، ما دام الاتفاق ينعقد برضا الطرفين على
تحديدها ، ولا غبن ولا تغرير في العقد يؤثر في مشروعيته ؛ لأنَّ جميع التفاصيل
المتعلقة بهذا اللون من العقود معلومة بشكل واضح للمتعامل ، إذ تحتم سياسة البنك
عليه أنْ يكون لديه شفافية تامة في إيضاح كل ما يلزم إيضاحه عن التمويل الإيجاري .
الخاتمة
:
خلص البحث إلى النتائج الهامة التالية :
- الإجارة المنتهية بالتمليك معاملة حديثة أوفدتها الصناعة المالية الغربية إلى مجتمعاتنا العربية ، وتلقتها المؤسسات المالية ، وأخذت في تطبيقها دون تنبه لِمَا انطوت عليه المعاملة من محذورات شرعية ، وبما أنَّ من مقاصد الشرعية الإسلامية الترحيب بكل جديد نافع للأفراد والمجتمع ، قام اعلماء بدراسة هذه المعاملة ، ووضعوا لها من الضوابط والمعايير الشرعية ما يكفل سلامة تطبيقها ، وجعلوا منها منتجاً إسلامياً .
- الإجارة المنتهية بالتمليك معاملة حديثة أوفدتها الصناعة المالية الغربية إلى مجتمعاتنا العربية ، وتلقتها المؤسسات المالية ، وأخذت في تطبيقها دون تنبه لِمَا انطوت عليه المعاملة من محذورات شرعية ، وبما أنَّ من مقاصد الشرعية الإسلامية الترحيب بكل جديد نافع للأفراد والمجتمع ، قام اعلماء بدراسة هذه المعاملة ، ووضعوا لها من الضوابط والمعايير الشرعية ما يكفل سلامة تطبيقها ، وجعلوا منها منتجاً إسلامياً .
- الإجارة المنتهية بالتمليك عقد يراد به تمليك منفعة عين مشروعة معلومة لمدة
معلومة بعوض معلوم ، يقترن به وعد بتمليك العين المؤجرة إلى المستأجر في نهاية مدة
الإجارة أو في أثنائها بإحدى الطرق التالية : الوعد بالبيع ، أو الوعد بالهبة ، أو
بعقد هبة معلق على شرط سداد جميع الأقساط الإيجارية في مواعيد استحقاقها.
- تعد هذه الصيغة التمويلية بديلاً شرعياً للتمويل الربوي ، وتسهل على
المتعامل الحصول على أصول أو موجودات معمرة باهظة الثمن بطريقة تتناسب مع المتعامل
ودخله .
- يجوز أنْ يجتمع في المعاملة الواحدة عقدان ؛ كاجتماع عقد البيع مع الإجارة
أو الهبة مع الإجارة سواء كان العقدان واردين على محل واحد أو كانا واردين على
محلين مختلفين ، ما دام كل عقد منها جائز بمفرده ، وتوافرت فيه أركان قيامه ،
وجميع شروط صحته ، ولم يكن حيلة للوصول إلى الربا ، ولم يتنافى مقتضى كل عقد مع
العقد الآخر .
- يجوز تعليق الهبة في الإجارة على شرط الوفاء بالأقساط الإيجارية في
مواعيدها المقررة ؛ لأن الهبة عقد تبرعي يتساهل في أحكامه ما لا يتساهل في غيره من
عقود المعاوضات .
- الوفاء بالوعد واجب إذا كان معلقاً على سبب ، ودخل الموعود في كلفة نتيجة
الوعد .
- انقلاب الإجارة في نهاية المدة بيعاً تلقائياً دون إبرام عقد جديد ، صورة
محرمة لا يجوز تعاطيها في عمل المصارف الإسلامية .
- إبرام عقد إجارة بالإضافة إلى عد بيع معلق على سداد الأجرة ، صورة جائزة ،
أخذاً برأي ابن تيمية في جواز تعليق عقد البيع على شرط .
- اقتران الوعد بالبيع بعقد الإجارة بعد سداد كامل الأجرة ، صورة جائزة ، إذ
لو حللناها إلى عناصرها الإفرادية لوجدناكل عقد منها جائز بمفرده ، ود استوفى جميع
شرائط إبرامه .
- يجوز اقتران عقد الهبة المعلقة على شرط سداد جميع الأقساط بعد الإجارة ،
على أن يكون لكل عقد وثيقة منفصلة الأحكام والآثار .
- نقل ملكية المأجور للمستأجر في نهاية المدة بواسطة هبتها إليه تنفيذاً لوعد
سابق بين المالك والمستأجر ، صورة صحيحة .
- في جميع الحالات التي يجوز فيها إبرام عقد الإجارة المنتهية بالتمليك يجب
أنْ لا ينص في عقد التأجير على أن الوثائق أو الملاحق بالعقد جزء لا يتجزأ منه .
- عقد الإجارة المنتهية بالتمليك عقد لازم لا ينفسخ بإرادة منفردة ، ويراعى
في حال فسخ العقد بسبب المؤجر أو بسبب لا دخل للمستأجر ، ردّ الدفعة الأولى
المتسلمة في بداية عقد الإجارة للمتعامل ، بالإضافة إلى إرجاع ما زاد عن أجر المثل
من الأقساط الإيجارية المدفوعة .
- يجوز ربط الأجرة بأحد المؤشرات غير المنضبطة ؛ لأنه إذا جاز فسخ العقد كلية
باتفاق الطرفين ، فلأن يجوز تعديل الأجرة والتي تمثل أحد بنوده باتفاق الطرفين
بالأولى .
- المغالاة في العائد الإيجاري لا يؤثر على الرضا الذي هو قوام العقد ، إذ
الأجرة كالثمن أو الربح لا حدَّ لأكثرها.
قائمة
المراجع :
-
ابن أبي شيبة، أبو
بكر عبد الله بن محمد، (ت235). مصنف ابن أبي شيبة، تحقيق كامل الحوت، مكتبة
الرشيد، الرياض (1409هـ).
-
ابن تيمية، أحمد بن
عبد الحليم الحراني، مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف
الشريف-السعودية، 1995م .
-
ابن جزي، محمد بن
أحمد بن محمد، القوانين الفقهية، بدون طبعة ولا تاريخ .
-
ابن رشد، محمد بن
أحمد بن محمد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الحديث-القاهرة، بدون
طبعة،1425هـ-2004م .
-
ابن رشد، محمد بن
أحمد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار المؤيد، جدة، 1997م.
-
ابن عابدين، محمد
أمين، (ت1252هـ)، حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار،
8م، دار الفكر، ط2، 1966م .
-
ابن فارس، أحمد،
(ت395 هـ) معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، 6م، مطبعة
مصطفى الحلبي، ط2، 1970م .
-
ابن قدامة، موفق
الدين عبد الله، المغني، ط ، دار
الكتب العلمية، بيروت، مطبوع ومعه الشرح الكبير .
-
ابن قدامة، عبد الله
بن أحمد، المقنع في فقه الإمام أحمد، المطبعة السلفية .
-
ابن قيم الجوزية،
محمد بن أبي بكر بن أيوب ، إعلام الموقعين عن رب العالمين، دار الكتب
العلمية، ط1 1411هـ-1991م .
-
ابن منظور، محمد بن
مكرم، (ت711هـ)، لسان العرب، دار لسان العرب، بيروت .
-
ابن ماجة، محمد بن
يزيد القزويني، (ت275هـ)، سنن ابن ماجة، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة
عيسى الحلبي، مصر .
-
ابن مفلح، إبراهيم بن
محمد الحنبلي، المبدع شرح المقنع، دار الكتب العلمية-بيروت، 1418هـ-1997م .
-
ابن نجيم، زين الدين
بن إبراهيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1،
1997م.
-
ابن نجيم، زين الدين
عابدين، الأشباه والنظائر، تحقيق عبد العزيز الوكيل، مؤسسة مصطفى الحلبي،
مصر، 1968م.
-
أحمد في المسند .
-
مجلة الأحكام العدلية
بشرح الأتاسي .
-
الأنصاري، زكريا بن
محمد. أسنى المطالب في شرح روض الطالب، ط1892م، المطبعة اليمنية، القاهرة .
-
البخاري: الصحيح
.
-
البراذعي، أبو سعيد
خلف بن أبي القاسم القيرواني ، التهذيب في اختصار المدونة، دار البحوث
للدراسات الإسلامية وإحياء التراث- الإمارات، ط1، سنة 2002م.
-
البعلي، محمد علي بن
محمد، الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، المؤسسة
السعدية، الرياض .
-
البهوتي، منصور بن
يونس بن إدريس، كشاف القناع عن متن الإقناع، دار الكتب العلمية.
-
الترمذي .
-
الحطاب، محمد بن محمد
الطرابلسي المعروف ، مواهب الجليل شرح مختصر خليل، ط3،دار الفكر 1992م .
-
الحطاب، محمد بن محمد
الطرابلسي (ت954هـ)، مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، دار الفكر، بيروت، ط2،
1977م.
-
الدردير، أحمد بن
محمد، (ت1201هـ)، الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك،
وبهامشه حاشية الصاوي، أحمد بن محمد، 4م، دار المعارف، مصر، 1392ه .
-
الدسوقي، محمد بن
أحمد بن عرفة، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، دار الفكر،بدون طبعة ولا
تاريخ .
-
الرملي، محمد بن أبي
العباس أحمد، نهاية المحتاج، دار الفكر، طبعة 1984م .
-
الزيلعي، عثمان بن
علي، (ت743هـ)، تبين الحقائق شرح كنز الدقائق، 6م، المطبعة الكبرى
الأميرية، مصر، ط1، 1315هـ .
-
الزيلعي، تبيين
الحقائق شرح كنز الدقائق، المطبعة الأميرية، بولاق، مصر، 1384هـ .
-
السرخسي، محمد بن
أحمد بن أبي سهل، المبسوط، بدون طبعة، 1414هـ-1993م .
-
السيوطي، مصطفى، مطالب
أولي النهي في شرح غاية المنتهى، منشورات المكتب الإسلامي، دمشق.
-
الشاذلي، حسن علي ، الإيجار
المنتهي بالتمليك، أعمال الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي المنعقدة
في الكويت 7-11 آذار 1987.
-
الشتري، سعد بن ناصر
بن عبد الله، عقد الإجارة المنتهي بالتمليك، دار الحبيب،الرياض،2000م .
-
الشربيني، محمد
الخطيب، (ت977هـ) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفظ المنهاج، 4م، مطبعة
مصطفى الحلبي، 1958م .
-
الشربيني، محمد بن
أحمد الخطيب ، مغني المحتاج، دار الكتب العلمية، 1994م .
-
الشوكاني، محمد بن
علي بن محمد، نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، دار الحديث-مصر، 1993م .
-
العسقلاني، أحمد بن
علي بن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار المعرفة-بيروت، 1379هـ .
-
القرافي، أحمد بن
إدريس، ت685هـ، الذخيرة، تحقيق محمد بو خبزة، دار الغرب الإسلامي، بيروت،
ط1، 1994م .
-
القرافي، أحمد بن
إدريس بن عبد الرحمن، الذخيرة، دار الغرب الإسلامي-بيروت،ط1، 1994 .
-
القليوبي، أحمد
سلامة.البرلسي، أحمد عميرة، حاشيتا قليوبي وعميرة على شرح العلامة جلال الدين
المحلي على منهاج الطالبين، 4م، مطبعة دار إحياء الكتب العربية، عيسى الحلبي،
مصر .
-
الكاساني، علاء الدين
أبوبكر بن مسعود، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية،ط2
1986م .
-
المرداوي، علي بن
سليمان، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل
،تحقيق محمد حامد الفقي، 12م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1957م .
-
الموصلي، عبدالله بن
محمود بن مودود، الاختيار لتعليل
المختار،مطبعة احلبي-القاهرة،1937م .
-
المنيعي، محمد بن
سليمان، الإجارة المنتهية بالتمليك، دراسة مقارنة، مجلة العدل، عدد 3،
السنة الرابعة.
-
النسائي، أحمد بن
شعيب، (303هـ)، سنن النسائي بشرح السيوطي، دار إحياء التراث العربي -بيروت.
-
النووي، يحيى بن شرف،
(ت676هـ) روضة الطالبين، 12م، المكتب الإسلامي .
-
الوادي، محمود حسين،
سمحان، حسين محمد، المصارف الإسلامية الأسس النظرية والتطبيقات العملية،
دار المسيرة، الأردن، 2009م، ط3
.
-
حماد،نزيه العقود
المركبة في الفقه الإسلامي، دار التعلم، دمشق، ط1، سنة 2005م .
-
شتا، علي أبو الفتح
أحمد، المحاسبة عن عقود الإجارة المنتهية بالتمليك في المصارف الإسلامية،ط1
1424هـ-2003م .
-
عمر، محمد عبد الحليم
، التأجير التمويلي من منظور إسلامي، مجلة صالح كامل، عدد 7، سبتمبر 1998م.
-
قاضي زاده، (ت988هـ)،
تكملة فتح القدير، م، مكتبة مصطفى الحلبي، مصر، ط1، 1970م .
-
قحف، منذر ، سندات
الإجارة والأعيان المؤجرة، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب/ جدة، 1995 .
-
مسلم .
-
لجنة علماء برئاسة
نظام الدين البلخي، الفتاوى الهندية، دار الفكر، ط2، 310هـ .
- هيئة المحاسبة والمراحعة للمؤسسات المالية
الإسلامية،
المعايير الشرعية، 2010م .
No comments:
Post a Comment