الملخص
للفتوى دور كبير في تهذيب
السلوك واستقامه أمر المجتمع، ولما كان للمقاصد والمآلات دور وأثر في تقرير الأحكام
الشرعية عند تنزيلها على الواقعة محل النظر وقد لا تكون هذه ظاهرة للعيان ولا تخضع
للاثبات في كثير من الأحيان حتى يقرر القاضي الحكم الشرعي على ضوئها، في مثل هذه
الحالات يظهر أثر الفتوى في بيان موافقة التصرفات لمراد الشارع. فالفتوى تكشف
للفرد عن مدى موافقة تصرفاته لمقاصد الشارع.
ونظراً لأهمية الفتوى فإنها
في حاجة الى ضوابط لتحقيق غاياتها.
وجاء البحث ليلقى الضوء على
مفهوم الفتوى ومناطها وبيان أثر قصور المكلفين ومآلات الفتوى في تقرير الحكم في
النازلة، وبيان الأليات والأسس والمعايير الموضوعيه والذاتيه التي ينبغي على
المفتي أن يراعيها عند تقريره الحكم الشرعي في النازلة موضوع السؤال.
Abstract
Fatwa plays a
huge role in the refine of the human`s behavior and the straightness society`s
situations.
Where the
contributions and destinations have a clear
rule and impact in the judgment of the provisions of legitimacy when taken on
the under consideration incident that could be invisible and mostly not subject to proof
until the judge decides the ruling on the light of it. In such cases the impact of the legal opinion shows in the approval statement of the Legislator`s actions.
Al-fatwa reveals for the individual
over the approval
of his actions
for the purposes
of the Legislator. On the light
of the importance of Al-fatwa, it needs to set controls to fulfill its goals.
Therefore this research aimed to explain this concept, its main objectives and
to clarify the impact of the insufficiency of the commissioned and the destinations of al-fatwa in taken decision of
the event and to state the
mechanisms, foundations and objective standards that the judge should take
into consideration when deciding the Islamic provision in the event subject of the
question.
بسم الله الرحمن الرحيم
أهمية البحث:
تضمن هذا البحث الضوابط
التي ينبغي أن يلحظها المفتي عند تنزيله الأحكام الشرعية على الوقائع والمسائل
موضوع الفتوى في المعاملات المالية وغيرها وحاولت أن تكون الأمثلة التوضيحية في
المعاملات المالية، فالضوابط التي ينبغي أن يلحظها المفتي في المعاملات المالية هي
نفسها التي ينبغي أن يراعيها في العبادات والأحوال الشخصية وغيرها، غاية الأمر أنه
قد يتوسع في اعتبار بعض هذه الضوابط في مجال المعاملات المالية أكثر من المجالات
الأخرى، نظراً لأن النصوص الشرعية في المعاملات المالية جاءت على شكل مبادئ كلية تقعيدية
في الجملة، مما قد يضطر المفتي أو المجتهد إلى أعمال ضوابط أخرى مثل: العرف وحال
المجتمع أو الجماعة إذا حصلت ظروف طارئة أو لخصوصية المرحلة الاجتماعية التي يمر
بها المجتمع أو عملاً بالاجتهاد الجماعي ومراعاة الخلاف.
واعتبار المآلات في المعاملات المالية أكثر من
أعمالها في المجالات الأخرى نظراً لوفرة النصوص التي تسعف المفتي في الكشف عن
الحكم في النازلة موضوع السؤال.
مشكلة البحث:
تتمثل مشكلة البحث في
الأسئلة الآتية:
1-
ما
مفهوم الفتوى و مناطها؟
2-
ما
أثر قصود المكلفين في الفتوى؟
3-
ما
أثر مآلات الفتوى في تقرير الحكم في النازلة؟
4-
ما
الآليات و الأسس و المعايير الموضوعية و الذاتية التي يراعيها المفتي عند تقريره
الحكم الشرعي في النازلة موضوع السؤال؟
خطة البحث:
من أهم عناصر الفتوى:
مقاصد المكلفين، ومآلات الفتوى، والآليات والأسس والمعايير الموضوعية والذاتية
التي يراعيها المفتي عند تقرير الحكم لذا فقد جاء البحث ليلقى الضوء على هذه
العناصر وذلك في تمهيد وثلاثة مطالب على النحو التالي:
التمــــــــــــــــــهيد: في تعريف الفتوى ومناطها.
المطلب الأول: في أثر قصود المكلفين في الفتوى.
المطلب الثاني: في أثر مآلات الفتوى في تقرير الحكم في
النازلة.
المطلب
الثالث: الآليات
والأسس والمعايير الموضوعية والذاتية التي يراعيها المفتي عند تقريره الحكم الشرعي
في النازلة موضوع السؤال.
مفهوم
الفتوى:
الفتوى
في اللغة: لها معان عدة يدور معظمها حول أصلين
أحدهما: يدل على الجدة والطراوة، والأخر على تبيين المشكل من الأمور وتبين الحكم (1).
الفتوى
في الاصطلاح: الأخبار تحكم الله تعالى عن دليل
(2)
أو هي حكم الشرع الذي يخبر عنه المفتي بإفتائه (3).
مناط الفتوى:
الفتوى في حقيقتها تحقيق مناط الأحكام في أعيان
المكلفين، فالمفتى الناظر في المسألة، إمّا أن يأخذها مجرد عن اعتبار الواقع وما
احتف به من قرائن، فيقتصر اعتباره على المناط العام أي الاقتضاء الأصلي للأدلة،
وإما أن ينظر في المسألة معتبراً القرائن وحال كل مكلف ويراعى العوارض القائمة في
حق هذا المكلف بعينه، وعليه فإن الحكم الذي سيوقعه هنا هو ثمرة الاجتهاد في تحقيق
المناط الخاص، وبمعنى آخر فإن الفتوى تأخذ بعين الاعتبار الاقتضاء التبعي للأحكام،
وفي الحالتين فهو يحتكم إلى معايير ومناهج تعينه على فهم الواقعة محل الفتوى ثم
إيقاعها ضمن ضوابط تحقق مقاصد الشارع (4).
وفي هذا يقول ابن القيم: لا بد للحاكم (ويصح أن يفهم
هنا بمعنى المفتى) من ثلاثة مستويات من الفقه، فقه الأحكام التكليفية الكلية
للحوادث، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس ثم يطابق بين هذا وهذا فيعطى الواقع
حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفاً للواقع (5).
([5]) ابن القيم، شمس الدين بن قيم الجوزية، أبو عبد
الله محمد بن أبي بكر، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ط1، المكتب الإسلامي،
بيروت، ص 25.
المطلب الأول: أثر قصود المكلفين في الفتوى
قال صلى الله عليه وسلم ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما
لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله
فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته
إلى ما هاجر إليه) (1).
يقول الشاطبي: ( إن الأعمال
بالنيات، والمقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والعادات، والمقاصد تفرق بين ما
هو عادة وما هو عبادة، والعمل الواحد يقصد به شيء فيكون عبادة ويقصد به شيء آخر
فلا يكون كذلك، بل قد يقصد به شيء فيكون إيماناً، ويقصد به شيء آخر فيكون كفراً كالسجود
لله أو للصنم) (2).
وقد صاغ الشاطبي قاعدة عامة
من معنى الحديث (إنما الأعمال بالنيات...) مفادها أن قصد الشارع من المكلف أن يكون
قصده في العمل موافقاً لقصده في التشريع) (3).
ويقول ابن القيم (تظاهرت
أدلة الشرع وقواعده على أن القصود في العقود معتبرة وأنها تؤثر في صحة العقد
وفساده وفي حله وحرمته، بل أبلغ من ذلك وهي: أنها تؤثر في الفعل الذي ليس بعقد
تحليلاً وتحريماً فيصير حلالاً تارة وحراماً تارة أخرى باختلاف النية والقصد، كما
يصير صحيحاً تارة وفاسداً تارة أخرى باختلافها، ... إلى أن قال: وذلك كعصر العنب
بنية أن يكون خمراً معصية ملعون فاعله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وعصره بنية أن يكون خلاً أو دبساً جائزة، وصورة الفعل واحدة، وكذلك السلاح يبيعه
الرجل لمن يعرف أنه يقتل به مسلماً حرام، باطل لما فيه من الإعانة على الإثم
والعدوان، وإذا باعه لم يعرف أنه يجاهد في سبيل الله فهو طاعة وقربه) (4).
وقد أجمع
الفقهاء على حرمة الحيل ومنعها إذا كان قصده ظاهراً في التحيل على أحكام الشرع
لأنها تْحرم قصد الشارع من التشريع، فقوام الحيلة الممنوعة هو قصد فاسد بوسيلة
مشروعة للوصول إلى غاية غير مشروعة ومضادة لقصد الشارع.
وقد عرف الشاطبي
الحيلة بقوله: تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم
آخر. فحال العمل فيها خرم قواعد الشرعية في الواقع (5). وقد اعتبر الفقهاء الباعث
على التصرفات فالمالكية والحنابلة يبنون الحكم على الفعل والقول بناء على نية
المكلف وقصده، فالنيات عندهم معتبرة في العبادات والعادات، فيبطلون التصرف إذا
تبين لهم عدم مشروعية الباعث عليه صراحة أو قامت مظنة عدم المشروعية عليه بما
احتفت بهذا الفعل من قرائن (6).
وأما الشافعية والحنفية فلا
يبطلون العقود إلا بما يدل على بطلانها في العبارات الظاهرة أو بما يمكن استخلاصه
من طبيعة محل العقد. فلا خلاف بين الفقهاء في
حرمة الحيل ومنعها، ومناط الخلاف بينهم فيما يتحقق به التحيل فالحنابلة والمالكية
يكتفون بمجرد القرائن الدالة على القصد دون الحاجة إلى التصريح والشافعية والحنفية
يشترطون لبطلانها أن تكون العبارات ظاهرة في الدلالة عن قصد التحيل أو يمكن
استخلاص ذلك من طبيعة محل العقد (7).
ومن المسائل التي انبنت على هذا الخلاف:
1) بيع العينة:
وصورة المسألة:
أن يبيع
الرجل سلعة لرجل بمائة دينار إلى سنة ثم يشتريها منه بتسعين ديناراً نقداً
فالمالكية والحنابلة قالوا: إن هذا تحيلاً إلى الربا بصورة بيع، والسلعة القائمة
في العقد لغو، لأنها ليست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود حقيقةً هو النقد حيث آل
التصرف إلى بيع 90 ديناراً بمائة إلى سنة، وهذا هو ربا النسيئة والفضل، ويدل على
حرمة هذا التصرف حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذ
َضنَّ الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا
الجهاد في سبيل الله، أنزل الله عليهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجوا دينهم 8)).
2) التورق:
وهو شراء سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها لمن اشترى منه بثمن أقل
مما اشتراها به نقداً ومثاله: ما روي عن العالية بنت أيفع أنها قالت (دخلت مع
عائشة على نسوة، فقالت: ما حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم محبة، فقالت: يا أم
المؤمنين، هل تعرفين زيد بن أرقم، قالت: نعم، قالت: فإني بعته جارية لي بثمانمائة
درهم إلى العطاء، وأنه أراد بيعها فابتعتها منه بستمائة درهم نقداً، فأقبلت عليها
وهي غضبى، فقالت: بئسما شريت وبئسما اشتريت، أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده إلا أن
يتوب، فأفحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلاً، ثم أنه سهل عليها فقالت: يا أم المؤمنين،
أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلت عليها: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما
سلف) (9)
فهذه الصورة ممنوعة محرمة عند المالكية والحنابلة وجائزة عندا الشافعية وبعض
الحنفية حيث قالوا: بأن حديث السيدة عائشة لم يثبت لمخالفة زيد لها، ومذهبهم في
حال اختلاف الصحابة هو القياس، وهو هنا جواز البيع لأنه شراء مستأنف (10).
وفي رأيي أنه ينبغي التفرقة بين أن يكون بين المتبايعين
اتفاق مسبق على البيع والشراء ثانية أو جرى عرف بذلك وبين عدم وجود اتفاق مسبق أو
عرف ففي الحالة الأولى يكون التورق محرماً وهو من بيع العينة الذي ورد النص
بتحريمه، وأما الحالة الثانية فإن كان المشتري الثاني قاصداً البيع للبائع الأول
بثمن أقل للحصول على النقد فهو حرام ديانة وهو من الحيل الممنوعة، وإن لم تكن
النية منعقدة على التحيل بالبيع للأول ولكن جدت حاجة للمشتري الثاني ألجأته إلى
البيع كطروء مرض أو سفر أو عدول عن بناء وقد اشترى مواد للبناء من التاجر فيجوز له
البيع ولا يعتبر من التورق المحرم.
وهناك صورة أخرى وهي أن يشتري من التاجر سلعة بقصد بيعها
لثالث والحصول على النقد فهذا جائز، وما شرعت البيوع إلا لتحقيق المقاصد المشروعة
وهذا نوع منها.
3- الوصية للوارث في قالب الأقرار
بالدين في مرض الموت.
4- الواهب ماله عند رأس الحول
فراراً من الزكاة، فإن أصل الهبة على الجواز ولكنه جعلها وسيلة لمنع
الزكاة.
وخلاصة الأمر كما يقول الشاطبي فإن الأحكام وسائل لتحقيق
المصالح وكل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له، فقد ناقض الشريعة، وكل من
ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل (11).
ويقول
في موضع آخر ( إن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قصد بها أمورٌ أخر
هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها، فالذي عمل في ذلك على غير هذا الوضع
فليس على وضع المشروعات) (12).
المطلب الثاني: أثر مآلات الفتوى في تقرير الحكم في النازلة
إن الأحكام لا ينظر إليها من جهة ألفاظها وظواهرها فحسب،
بل لابد من النظر إليها باعتبار غاياتها، فإذا ظهر للمجتهد أن إجراء الأحكام على
ظاهرها لم يعد يحقق في المآل والنتيجة المصلحة والمقصد الأعلى المرجو من تشريعها
لما حتف بالأحكام من قرائن، وجب أن يراعي المآل والنتيجة حفاظاً على المصلحة في
الحكم (1)،
يقول الشاطبي( النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو
مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام
أو الأحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعاً لمصلحة فيه
تستجلب أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع
لمفسدة تنشأ عنه أو لمصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول
في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو
تزيد عليها فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في
الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح
إطلاق القول بعدم المشروعية (2).
وهذا يبين خطأ الإجراء الآلي للأحكام على ظواهرها دون
النظر في مآلاتها، فالشاطبي رحمه الله في كلامه السابق يؤصل لهذا الضابط درءاً
للتعسف في الاجتهاد وفي التطبيق حتى لا تتناقض الأحكام في الجزئيات مع الأصل الذي
قامت عليه الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد، وأن درء المفاسد مقدم على جلب
المصالح (3).
وإذا كان تحقيق المناط يقتضي معرفة ما هو واقع، فإن
اعتبار المآل يقتضي معرفة ما هو متوقع أو ما ينتظر أن يصير متوقعاً وهو جزء من
معرفة الواقع وثمرة من ثماره، وهذا الاجتهاد التطبيقي يحتاج إلى نوع خاص من
المجتهدين ذوي التعمق في النصوص الشرعية ومقاصدها إلى جانب الإلمام بطبائع النفوس
وخفاياها وخصوصياتها، والنظر المحكم في الوقائع والسنن الاجتماعية وتأثيراتها
والعلم بالواقع وتفاعلاته (4).
ومن خصائص هذا المجتهد كما يقول الشاطبي: أنه ناظر إلى
المآلات قبل الجواب عن السؤالات أو الحكم على الأفعال (4)
والأدلة على اعتبار المآل لا تخفى على أهل العلم ونذكر منها.
أ) قوله تعالى (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا
الله عدواً بغير علم) (6).
ب) وقوله صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة رضي الله عنها
(لولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت
وأن ألصق بابه بالأرض) (7)
ولاعتبار المآل طرق شرعية اقتضاها أصل اعتبار المآلات
وشهد لها الشارع بالاعتبار فبها تكتسب المشروعية، ومن هذه الطرق الاستحسان وسَدّ
الذرائع ومراعاة الخلاف، ومنع الحيل وغيرها مما هو مبسوط في كتب الأصول (8).
ومن الأمثلة على اعتبار المآل:
1) القرض: الأصل أن الدرهم بالدرهم مع الأجل ربا، والقرض فيه صورة الربا، لأنه أعطاء
الدرهم مقابل الدرهم مع الأجل، ولكنه أبيح لما فيه من الرفق والتوسعة على
المحتاجين، بحيث لو بقي على أصل المنع لكان في ذلك ضيق على المكلفين.
ولذا قال الكثير من الفقهاء: أن اشتراط الأجل في القرض
لا يجوز لأنه دليل ظاهر على مقاربة صورته لصورة الربا، وقال المالكية: يجوز
اشتراط الأجل في القرض لاعتبارات منها بيان وقت الاقتضاء، وحتى يحقق القرض مقصوده
الشرعي في التوسعة على المقترض، ولأنه لا يقصد من موضوع القرض الاسترباح كما الأمر
في الربا.
2) بيع العُرية بخرصها تمراً: فإنه بيع الرطب باليابس جزافاً، والقياس أنه ربا محرم،
ومع ذلك أبيح في حدود خمسة أو سق لرفع الحرج عن المحاويج والمساكين
الذين لا
يملكون بساتين النخيل، وأبيح لغيرهم تبعاً لهم.
ولا شك أن هذه الأحكام ترجع إلى اعتبار المآل في تحصيل
المصالح حيث كان الدليل العام يقتضي المنع، ولكن المبادئ العامة للتشريع التي
تقتضي رفع الحرج والمشقة أولى بالاعتبار فالشريعة الإسلامية لا تعمل في فراغ فتقرر
قواعد نظرية دون مراعاة لواقع المجتمع بل وضعت أصولاً عامة ورسمت مقاصد أساسية
لمعالجة ذلك الواقع (9).
([9]) الدريني: محمد فتحي، بحوث مقارنة في الفقه
الإسلامي، 1/121، ط1، 2م، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1994م.
من الأمور التي لابد للمفتي من مراعاتها عند تنزيل الحكم
على الواقعة موضوع السؤال:
الأمر الأول:
معرفة الواقع حيث يعتبر أساساً لتنزيل الأحكام الشرعية،
وقد أدى الجهل بالواقع إلى تعطيل أحكام الشريعة وجعلها قاصرة لا تقوم بمصالح
العباد في مجالات الحكم والإفتاء (1)
وبمعنى آخر فإن على المفتي أن يضع الوحي ومقاصده في يمناه وأن يضع حقائق الواقع
الإنساني الدائم التبدل والتغيير في يساره ليحدث بينهما تكاملاً وترابطاً سعياً
إلى تحقيق وصل حقيقي ودائم بين وحي السماء وواقع الأرض (2)
على حد تعبير د. قطب سانو وهذه العملية لا تتم إلا بالعلم الذي يستخدم جملة من
وسائل المعرفة التي تكشف عن الجوانب المختلفة للأفعال المكونة للواقع. ومن وسائل
المعرفة علوم النفس والاجتماع والاقتصاد والإحصاء والتاريخ والسياسية والقوانين
الدولية (3).
الأمر الثاني:
أن يكون المجتهد على حظ من المعرفة بأحوال عصره وظروف
مجتمعه ومشكلاته وتياراتها الفكرية والسياسية والدينية وعلاقاتها بالمجتمعات
الأخرى ومدى تأثره بها وتأثيره فيها (4).
وقد اشترط الإمام أحمد في المفتي أن تكون له معرفة بأحوال الناس وهذا ما قاله به
ابن عابدين والشيخ مصطفى الزرقا عند ذكره شرط العضوية في المجمع الفقهي: أن يكون
ممن جمعوا بين العلم الشرعي والاستنارة الزمنية (5)
وقال الشيخ يوسف القرضاوي: إن على المجتهد أن يكون ملماً بثقافة عصره حتى لا يعيش
منعزلاً عن المجتمع الذي يعيش فيه ويجتهد له ويتعامل مع أهله (6).
الأمر الثالث:
معرفة المفتي لحال المستفتي ونفسيته، ويقصد بذلك كما
يقول الشاطبي: اختصاص الحكم وتعلقه بذات الشخص الذي حدثت معه الحادثة، فلا يدخل
غيره فيها على وجه العموم لشخصين أو أكثر، بل لا بد من النظر في كل مكلف في نفسه،
وذلك لأن التطبيق للحكم من الشخص يختص به دون غيره من الأشخاص (7)
وهو بذلك يحقق خطاب الشارع في التكليف ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) (8)
المقتضى حمل النفوس على ما يليق بها في مجارى الحياة، ومن ثم فإن على المفتي أن
يعمل في النصوص بالتخصيص بناء على العموم الوارد على المكلفين، فكأنه يخص هذا
العموم بما يقوم به من العمل الذي يناسب كل شخص وحالته (9)
فعلى المفتي مثلاُ مراعاة الإمكان أي تقدير ما يمكن وما لا يمكن، وتقدير حدود
الإمكان فيما هو ممكن، ذلك أن التكليف الشرعي يدور مع القدرة والإمكان وجوداً
وعدماً وقدراً، وإذا كان الميسور لا يسقط
بالمعسور، فإن المعسور لا يلحق بالميسور، وتمييز ما هو مقدور مما ليس بمقدور، وما
هو معسور مما هو ميسور يحتاج إلى دراية بالواقع وأهله (10).
وترتيباً على ما سبق فإنه لا بد للمفتي من مراعاة
خصوصيات السائلين، فيجيب السائل عما يليق به في حالته على الخصوص، فلا يتوقف عند
الأمر الكلي الصادق على جميع الحالات دون اعتبار الخصوصيات.
وقد أفتى ابن عباس رضي الله عنهما بعدم توبة القاتل لما
رأى في عينيه إرادة القتل وأفتى سائلاً آخر بأن له توبة ولا يحول أحد بينه وبين
التوبة لما رأى أن السائل جاء مستكيناً تائباً.
ومن هذا المنطلق أنشئ مجلس خاص للإفتاء للمسلمين الذين
يعيشون في المجتمعات غير المسلمة كمجلس الإفتاء الأوروبي وذلك مراعاة لخصوصياتهم.
يقول الشاطبي: إن المفتي الذي يقف على هذا التحقيق الخاص
لمناط الحكم هو الذي رزق نوراً يعرف به النفوس ومراميها وتفاوت إدراكها وقوة
تحملها للتكاليف وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها ويعرف التفاتها إلى الحظوظ
العاجلة أو عدم التفاتها، فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها بناء
على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف(11).
الأمر الرابع:
معرفة النازلة وما يكتنفها ومعرفة أسبابها
المباشرة وغير المباشرة ونتحدث عن كل من
العرف والأبعاد الزمانية والمكانية وخصوصية المراحل اعتباراً لحال المجتمع
والظروف الطارئة عليه.
من القواعد المقررة عند الفقهاء أنه لا ينكر تغير
الأحكام بتغير الأزمان والأمكنة والأحوال، والتغير المراد هنا ليس تغيراً في الحكم،
وإنما هو تغير في مناط الحكم، ومثل هذا لا يعد تغييراً ولا تبديلاً ولا نسخاً
للشريعة، لأن الأحكام في حقيقتها باقية، وإنما حصل التغيير في محلها بحيث لم يعد
متوافراً فيه شروط التطبيق فطبق حكم آخر عليه (1).
الأمر السادس:
وتفريعاً على هذا الأصل فإن للأبعاد الزمانية والمكانية
والعوارض الطارئة على الفرد أو الجماعة اعتباراً عند تنزيل الأحكام والفتاوى، وقد
راعى الشارع هذا المعيار فجعل لبعض الأماكن والأزمان خصوصية في الأحكام ومن ذلك:
أنه خص بعض الأماكن بالعبادات دون غيرها مثل مواقيت الإحرام والوقوف بعرفه ورمي
الجمار والمبيت بمزدلفة ومنى، ومضاعفة الأجر بمكة والمدينة المنورة والمسجد الأقصى
ومسجد قباء، كما أن السيئات تضاعف في الحرم كما الحسنات في رأي ابن عباس وابن عمر
رضي الله عنهم.
وقد كان لابن عمر رضي الله عنه فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم
فإذا أراد الصلاة صلى في الذي في الحرم، وإذا أراد الأمر لبعض شأنه دخل فسطاط الحل
(1).
ومن اعتبار الزمان النهى عن
الصلاة في أوقات معينة واستثنى منها الحرم المكي، وفرض صوم شهر رمضان، ومضاعفة
الأجر في ليلة القدر، ويوم الجمعة، والاستجابة في ساعة من يوم الجمعة وخصوصية أشهر
معلومة للحج والأشهر الحرم إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ
ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُواأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴿٣٦﴾ (2) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ
فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْخَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴿١٩٧﴾ (3)
ونذكر بعض الأمثلة الفقهية على مراعاة الزمان والمكان في المعاملات المالية:
1) كراء عقارات الوقف من الأراضي والدور، أفتى
العلماء بعدم جواز كراء عقارات الوقف أكثر من سنة في الدور والحوانيت، وثلاث سنوات
في الأراضي الزراعية لما كثر غصب أملاك الوقف وتواطؤ المتولين ونظار الوقف مع
المستأجرين (4).
2) تحكير أرض الوقف للزراعة والغرس والبناء.
استقر العمل في العصور الأولى في تأجير الأراضي الوقفية
للزراعة والغراس والبناء لمدة قصيرة حفاظاً على الوقف من الضياع ولتحقق المثلية
عند تأجيرها، ونظراً لقصر المدة زهد الناس في الأندلس في كرائها للغراس والبناء
لما تحتاجه أرض الزرع من قوة الخدمة ووفرة المصاريف، ولرفض الغارس أو الباني أن
يغرس ثم يقلع أو يبني ثم يهدم ناهيك عما يتطلبه ذلك من الوسائل والعتاد وغيرها في
الأندلس التي تختلف في طبيعة الحياة وتكاليفها عن الجزيرة العربية التي لا يتطلب
البناء فيها يومئذ أكثر من شيء يسير من الطين والجريد، الأمر الذي دعا فقهاء
الأندلس في أواخر القرن التاسع الهجري إلى الإفتاء بجواز كراء الأرض على التأييد، ورأوا
أن التأييد لا غرر فيه، لأن الأرض باقية غير زائلة(5).
3) حكم ضالة الإبل:
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعدم التقاط ضالة الإبل
لتوفر الأمن وعدم الخوف عليها من الوحوش المفترسة خلافاً لضالة الغنم، وبقي الأمر
على هذا في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عهد عثمان رضي الله عنه أمر
بالتقاطها وتعريفها، ثم تباع فإذا جاء صاحبها أعطى ثمنها، ولما كان عهد علي رضي
الله عنه أمر بالتقاطها وأن ينفق عليها من بيت المال حتى إذا جاء صاحبها أعطيت له،
لأن ثمنها لا يغني عن ذواتها.
فما فعله عثمان وعلي رضي الله عنهما في حكم ضالة الإبل
كان بسبب تغير أخلاق الناس وفساد ذممهم وامتداد أيديهم إلى الحرام، ولو تركت ضالة
الإبل لضاعة على صاحبها.
4) تضمين الصناع:
الأصل أن الأجير أمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط
ولكن الفقهاء أفتوا بتضمين الأجير المشترك بعد أن غلب عليهم قلة الأمانة وعدم
الاحتياط، وروى هذا عن سيدنا علي رضي الله عنه.
5) جواز أخذ الأجرة
على الإمامة والأذان وتعليم القرآن، أفتى المتأخرون من علماء الحنفية بجواز الأجرة
عليها بعد تقاعس الهمم عن القيام بهذه الواجبات.
6) جواز
التسعير: الأصل عدم التسعير، فآلية السوق هي التي تحدد الأسعار بناء على العرض
والطلب. ففي الحديث الشريف (إن الله هو الباسط الرزاق المسعر....). وقد أفتى
العلماء بجواز التسعير بعد استغلال التجار لأقوات الناس وحوائجهم (6).
7) معيار تحقق
الربا في المكيل والموزون.
ورد نص
الشارع على أن ما كان من الربوبات مكيلاً في عرف أهل المدينة فهو مكبل أبداً، وما
كان موزوناً في عرف أهل مكة فهو موزون أبداً، وعليه فلا يباع المكيل بمثله وزناً،
ولا يباع الموزون بمثله كيلاً وإلا كان ربا الفضل، والذي لم يرد فيه النص فيحمل
على عادات الناس في بلادهم وإلى هذا ذهب الإمامان أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وعليه
فإن القمح والشعير تباع بمثلها كيلاً لا وزناً فإن بيعت بمثلها وزناً كان ذلك ربا
الفضل.
وذهب أبو
يوسف إلى أن المعتبر هو العرف في المنصوص وغيره، إذ أن المنصوص عليه علته ومبناه
العرف فإذا تغير العرف وأصبح ما يكال موزوناً أو العكس وجب اعتبار العرف الجديد
وأن يباع بالوزن لا بالكيل لكي تحقق المساواة وعدم التفاضل حتى لا تشوب عملية البيع
الربا المحرم.
وأرى أن ما ذهب إليه أبو يوسف فيه رفع الحرج
والمشقة عن الناس بتصحيح معاملاتهم وعدم الحكم بفسادها، وفيه تحقيق المساواة ومنع
التفاضل. وهو يتفق بذلك مع مقاصد الشريعة وغاياتها (7).
إذا كان للظروف والأحوال الشخصية الملابسة للفرد أثر في
الحكم الشرعي فمن باب أولى أن يكون للظروف الطارئة والمراحل التي يمر بها المجتمع
أثر في تشكيل علل الأحكام التي تطبق على المجتمع بأسره أو على أهل بلد معين أو
أصحاب حرفة معينة إذا تعرضوا لنفس الظروف واحتفت بتصرفاتهم نفس القرائن والملابسات
(1).
والأدلة على اعتبار هذا
المعيار كثيرة نذكر منها.
1) عدم هدم النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة وإعادة بنائها
على قواعد سيدنا إبراهيم عليه السلام لما رأى من حال قريش وعدم تمكن الإسلام من
قلوبهم خشية أن تثور الفتن فيما لو قام بالتجديد لبيت الله، ظنا منهم أنه سيستأثر
بفضل بناء البيت دونهم.
2) أمره صلى الله عليه وسلم بالصبر على أئمة الجور إذا لم
تكن هناك قدرة على خلعهم واستبدال آخرين صالحين بهم.
3) أمره صلى الله عليه وسلم بالصلاة جماعة خلف أئمة الجور
والجهاد معهم رعاية لمصلحة الجماعة عند فقدان البر (2).
4) عدم قطع سيدنا عمر رضي الله عنه ليد السارق عام المجاعة
لتمكن الشبهة في المجتمع، وإذا كان الحد بدراً لشبهة قامت بالفرد، فدرؤه لشبهة
قامت بالجماعة (المجتمع) من باب أولى.
5) منع سيدنا عمر رضي الله عنه جنود المسلمين من الزواج
بالكتابيات رعاية لحال بنات المسلمين وحفاظاً على أسرار الدولة (3).
6) عدم تقسيم عمر رضي الله عنه الأراضي في البلاد التي فتحت
عنوة على الفاتحين وحبسها للصالح العام.
7) منع عمر رضي الله عنه ذبح اللحم تقليلاً للاستهلاك منه
عندما كان الحال العام للأمة من الفقر يقتضي ذلك (4).
8) أمر عمر رضي الله عنه بزراعة محاصيل معينة وبمقادير
معينة حفاظاً على قوت الناس.
9) ترك ابن تيمية إيقاظ السكاري من التتار للصلاة لما في
ذلك من رعاية صالح جماعة المسلمين كفاً لعدواتهم وشرهم عن المجتمع المسلم (5).
10) يمكن أن يقاس على ذلك شراء أسهم الشركات التي اختلط رأس
مالها بالحرام وكان دون 30% أي في حد القلة إذا لم ينص عقد التأسيس للشركة على
التعامل بالربا وكان موضوع الشركة غير محرم.
([5]) قاضي زاده، شمس الدين احمد
بن قودر، نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار، تكملة شرح فتح القدير لابن
الهمام، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003م، 9/100.
مع أن الاجتهاد الفردي الذي شهدته القرون الأولى للأمة
الإسلامية قد أنتج ثروة فقهية عظيمة من حيث التأصيل له ووضع القواعد والنظريات
الفقهية إلا أن الاجتهاد الفردي في زماننا لم يكن قادراً على مواكبة المستجدات
والنوازل نظراً لتعقيداتها في المجالات كافة فالمعطيات العالمية والتقدم التقني
والتكنولوجي أوجد كماً هائلاً من القضايا التي تحتاج لإبداء الرأي فيها هذا
بالإضافة إلى أن الأبعاد العالمية للقضايا لا يتمكن الفرد بقدراته المحدودة
الإحاطة بها، ومعرفة مآلاتها والحكم على الشيء فرع عن تصوره فاقتصاد الدولة أو
القطر تأثر كثيراً بالاقتصاديات العالمية، لكل هذا كان الاجتهاد الجماعي هو الملاذ
لاستدراك هذه المحدودية في المعلومات، كما تبرز أهمية الاجتهاد الجماعي في البعد
بالفتوى عن الاضطراب والشطط، ذلك أن من أهم سمات الاجتهاد الجماعي أنه مبنى على
الشورى العلمية الفقهية، حيث يتناول العلماء الرأي في المسألة من خلال الأبحاث
العلمية التي تتم مناقشتها وتمحيص مسائلها.
كما أن من أهم سماته استعانة الفقهاء بالخبراء في مجالات
العلوم ذات الصلة بموضوع النازلة، ففي المسائل الطبية مثلاً: يبين الأطباء أهل
الاختصاص التقنيات العلمية والوسائل اللازمة لتحقيق الأمر الطبي، ويشرحون بالتفصيل
والبيان الأهداف والوسائل والنتائج وكل ما يتعلق بالمسألة موضوع البحث، والشواهد
على التعاون ماثلة في قضايا التلقيح وأطفال الأنابيب والاستنساخ والهندسة الوراثية
والإجهاض والموت الدماغي وزراعة الأعضاء والتشريح وجراحة التجميل وتحديد المسئولية
الطبية للطبيب وغيرها من المسائل التي كان للاجتهاد الجماعي جهد كبير في بيان
أحكامها، وما كان يمكن أن يصل الفقهاء فيها لحكم سديد إلا بالتعاون والتشاور فيما
بينهم وبين الأطباء من أهل الاختصاص. ومثل هذا يقال في القضايا الاقتصادية
والمالية التي تعقدت بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة، وأن أي دولة مهما احتوت من
كنوز فإنها لا تستغني عن اقتصاديات الدول الأخرى الأمر الذي يستدعي نظرة واسعة، ما
كان للفقهية بصفته الفردية أن يحيط بها وبمآلاتها فكان الاجتهاد الجماعي هو الملاذ
وكانت الاستعانة بعلماء الاقتصاد وخبراء المال والقائمين على المؤسسات المالية
الدور الكبير في الكشف عن كثير من جوانب المسائل وتوضيحها، وبيان الأهداف والوسائل
والمآلات لها، والشواهد على ذلك كثيرة منها ثمينة النقود وأحكامها والأوراق
المالية والأوراق التجارية والأسواق المالية والاعتمادات المستندية وخطابات الضمان
وبطاقات الائتمان والضمان الاجتماعي والتأمين التكافلي، وقد استدعى الأمر إعادة
النظر في صور بعض العقود المسماة مثل المرابحة والاستصناع والإجارة المنتهية
بالتمليك والشركات المساهمة، وشركة المضاربة، والشركات المتناقصة المنتهية
بالتمليك وغيرها من العقود المالية، كل ذلك في ضوء المبادئ والأسس والقواعد الكلية
التي أرستها الشريعة الإسلامية، وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة إلى الجهود
الكبيرة التي قامت بها المجامع الفقهية الإسلامية كمجمع الفقه الإسلامي الدولي
بجدة ومجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي والمجامع الفقهية في
الهند وباكستان وهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية حيث أصدرت
المعايير الشرعية لأعمال البنوك والمؤسسات الإسلامية.
والناظر في قرارات المجامع الفقهية في المستجدات والنوازل
يلحظ كيف تلاقت أفهام الفقهاء وأثمرت مشاوراتهم عن أحكام مراعية مقاصد الشرع إبان
الفهم والتطبيق.
يقول: د. القرضاوي: رأي الجماعة أقرب إلى الصواب من رأي
الفرد مهما علا كعبة في العلم، فقد يلمح شخص جانباً في الموضوع لا ينتبه له آخر،
وقد يحفظ شخص ما يغيب عن غيره، وقد تبرز المناقشة أموراً كانت خافية، أو تجلى
أموراً كانت غامضة أو تذكر بأشياء كانت منسية (1).
وبناء على ما سبق فإنه يجدر بالمفتي أن يطلع على أعمال
هذه المجامع، وأن لا يتسرع بمخالفتها، فالعمل الجماعي أكثر دقة من عمل الفرد، وهي
وإن كانت ليست ملزمة الزام الإجماع إلا أن العمل بها أولى من العمل برأي الفرد،
فإن كان للفرد رأي فيحسن أن يعاد النظر في المسألة في إطار مجمعي موسع يدعى إليه
الباحثون والعلماء من فقهاء الشريعة والعلماء والخبراء من الاختصاصات ذات الصلة
بالموضوع ويعرض الأفراد أراءَهم ليصار إلى رأي راجح في المسألة.
أن مما ينبغي للمفتي الالتفات إليه ومراعاته في الفتوى
مراعاة الخلاف، فقد جعل السلف معرفة الاختلاف علماً هاماً ينبغي للمجتهد أو المفتي
الاعتناء به، فإن المجتهد والمفتي إذا لم يعلم اختلافهم وأدلة كل، ربما كان ما في يده أضعف مدركاً مما لم يقف عليه،
فإذا عرف الخلاف ومدرك كل أمكنة الترجيح، فلا يأخذ ضعيفاً ويترك قوياً، (1)
ومما حفظ عن السلف قول قتادة: من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه، وقيل: لا
ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالماً باختلاف الناس فإن لم يكن كذلك ردّ من
العلم ما هو أوثق من الذي في يديه (2).
يقول الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله (الآراء والنظريات
الفقهية في المذاهب المعتبرة سواء منها الراجح والمرجوح كلها ثورة تشريعية قيمة
يحتاج إليها، وقد يظهر تطور المصالح الزمنية وإعادة النظر أن ما كان من الآراء
الفقهية مرجوحاً هو الذي يجب أن يكون راجحاً، وما كان يظن أنه ضعيف البنى هو في
الحقيقة أقوى وأسد،ولكن مرأى نظر صاحبه كان أمام قافلته بمسافات لا تدركها أبصارهم
فيبقى غير معتمد عليه حتى تصل العصور بالأجيال إلى مرمى ذلك النظر فإذا هو البصر
الحديد والفهم الرشيد (3).
ومراعاة الخلاف له حالان: إما بالخروج منه قبل حصول
الفعل نظراً لأصل البراءة، والاحتياط من التورط في الشبهة وأخذاً بالقدر المتعين
من مفاد الحكم الثابت. وإما برعايته بعد الحصول التفاتاً إلى المصلحة واعتباراً
للمآل الذي يتقوى حياله دليل المخالف ومثال مراعاة الخلاف بعد الوقوع: أمضاء
النكاح الفاسد- وهو النكاح المختلف فيه- بعد وقوعه حيث تعلق به حق كل من الزوجين
والأولاد، فالنكاح بغير ولي مثلاً من النكاح الفاسد عند المالكية والشافعية
والحنابلة ومع ذلك فإن مالكاً مع قوله بفساد النكاح دون ولي يراعى الخلاف عند نظره
فيما يترتب عليه بعد الوقوع، من ضرر أقوى من مقتضى النهي عن ذلك القول لذلك فهم
يصححون العقد تفريعاً على القول المرجوح ويرتبون عليه آثار العقد الصحيح. (4)
ومثاله عند الحنفية أن أبا يوسف صلى بالناس الجمعة يوماً
مغتسلاً من الحمام، فلما تفرقوا، أخبر بوجود فأره ميته في بئر الحمام فقال: نأخذ
بقول اخواننا من أهل المدينة: إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل خبثاً (5).
وفي مراعاة الخلاف بصورتيه مراعاة لمبدأ النظر في
المآلات واتكاء عليه فقاعدة الخروج من الخلاف قبل حصول الفعل وضعت للتحرز من
الوقوع في مآل ممنوع احتياطاً واستبراءاً للدين، وذلك خوف الوقوع في المحظور في
رأي المخالف المحتمل للصحة والصواب.
ومراعاة الخلاف بعد حصول الفعل فيه تقليل لمفسدة
المخالفة التي استثنيت من القاعدة العامة نظراً للواقع الجديد والظرف الطارئ (6)
وآخر دعوانا من الحمد لله رب العالمين
([6]) الذهب، حسين بن سالم بن عبد
الله، مآلات الأفعال وأثرها في تغيير الأحكام، ص 113، رسالة ماجستير في كلية
الشريعة، الجامعة الأردنية، 1994.
قائمة المراجع:
1- البخاري:
محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، بيت الأفكار الدولية، الرياض، 1990م.
2- البيهقي:
أحمد بن الحسين، السنن الكبرى، ط3، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003م.
3- جحيش:
د. بشير بن مولود، الاجتهاد التطبيقي، كتاب الأمة، العدد 93، ط وزارة الأوقاف
القطرية، 2003م.
4-الحراني: أحمد بن حمدان الحراني، صفة
الفتوى والمفتى والمستفتي، تحقيق الشيخ محمد ناصر الألباني، المكتب الإسلامي،
دمشق.
5- أبو
داود: سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، بيت الأفكار الدولية، الرياض،
1999م.
6- الدريني:
د. محمد فتحي، التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي، ط2، مؤسسة الرسالة،
بيروت، 1998م.
7- الدريني:
د. محمد فتحي، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي، ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1998م.
8- الدهلوي:
ولي الله الدهلوي، الإنصاف في بيان أسباب الخلاف، ط3، درا النفائس، 1983م.
9- الذهب: د. حسين سالم بن عبد الله، مآلات
الأفعال وأثرها في تغيير الأحكام، رسالة ماجستير، الجامعة الأردنية، 1994م.
10- ابن
رشد: محمد أحمد القرطبي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ط1، دار ابن حزم، بيروت،
1999م.
11- الريسوني: د. أحمد وباروت: محمد جمال،
الاجتهاد بين النص والمصلحة والواقع، ط1، دار الفكر، دمشق، 2006م.
12- الزرقا: مصطفى أحمد، الاجتهاد ودور
الفقه في حل المشكلات، بحث منشور في مجلة الدراسات الإسلامية، مجمع البحوث
الإسلامية الجامعة الإسلامية، إسلام أباد، عدد 4، م20، سنة 198 الزرقا:
مصطفى أحمد، المدخل الفقهي العام، ط2، دار العلم، دمشق، سنة 2004م.
14- زيدان:
د. عبد الكريم زيدان، أصول الدعوة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 2000م.
15- زاده: شمس الدين أحمد بن قودر المعروف
بقاضي زاده، نتائج الأفكار في كشف رموز الأسرار، تكملة شرح فتح القدير للابن
الهمام، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003م.
16- ساتو: د. قطب مصطفى، أدوات النظر
الاجتهادي المنشود في ضوء الواقع المعاصر، ط1، دار الفكر، دمشق، 2000م.
17- السنوسي:
د. عبد الرحمن معمر، مراعاة الخلاف، رسالة دكتوراه، ط1، مكتبة الرشد، الرياض،
2000م.
18- الشاطبي:
إبراهيم بن محمد اللخمي، الموافقات، ط3، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003م.
19- شاهين: د. صفاء أحمد شاهين، الضوابط
المعيارية في تنزيل الأحكام الشرعية، رسالة دكتوراه، الجامعة الأردنية، مجلة
الشريعة، بإشراف د. محمود السرطاوي، 2009م.
20- الشامسي:
د. سيف سعيد مبارك الشامسي، نظرية الاجتهاد عند الإمام الشاطبي، رسالة دكتوراه،
الجامعة الأردنية.
21- عبد
الوهاب: د. يعقوب عبد الوهاب المعروف بالباحسين العادة محكمة، ط1، مكتبة الرشد،
الرياض، 2003م.
22- ابن
العربي: أبو بكر محمد بن عبد الله، أحكام القرآن، دار الجيل، بيروت.
23- ابن
عبد البر: يوسف بن عبد البر النمري، جامع بيان العلم وفضله، ط1، دار ابن الجوزي،
الرياض، 1994م.
24- ابن
فارس، أحمد بن فارس الرازي، معجم مقاييس اللغة، ط1، درا الكتب العلمية، بيروت،
1999م.
25-القرضاوي:
د. يوسف، عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية، ط1، دار الصحوة، القاهرة،
1985م.
26- القرضاوي:
د. يوسف، الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط، بحث مصور.
27- الفرضاوي:
د. يوسف، الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، ط6، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1998م.
28- ابن القيم: شمس الدين بن قيم الجوزيه،
أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ط1، المكتب
الإسلامي، بيروت.
29- ابن القيم: شمس الدين بن قيم الجوزية،
أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، إعلام الموقعين، دار الجليل، بيروت، 1998م.
30- الكيلاني: د. عبد الرحمن إبراهيم، قواعد
المقاصد عند الإمام الشاطبي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، دار الفكر، دمشق.
31- النجار:
د. عبد الحميد، خلافة الإنسان بين الوحي والعقل، ط3، المعهد العالمي للفكر
الإسلامي، فرجينيا، 2005م.
No comments:
Post a Comment