Thursday, 18 September 2014

معيار الصرف و المتاجرة بالعملات / دراسة تأصيلية

                          ملخص
صرف النقود والمتاجرة بالعملات من أهم المعاملات المالية من المعاصرة، وأكثرها انتشاراً وقد تناول البحث هذين الموضوعين بدءاً بتعريف النقود ونشأتها وبيان وظائفها وأسباب تغير قيمتها، وأهم الفروق بين عمليتي الصرف والمتاجرة بالعملات مع الاتيان على مقومات وشروط عقد الصرف، وانتهى البحث بتوضيح الحكم الشرعي بشأن المواعدة بالصرف والبيع والشراء الموازي للعملات.


Abstract

Money exchange and currency trade are recently considered as one of the most substantial and widespread financial issues, therefore this research has handled both issues, starting from defining the money, its origin, functions and the reasons behind its value changes. In  addition to the most remarkable differences between both concepts, while mentioning the constituents of the money exchange, ending the research with an explanation of the Islamic provision related to the promise of the exchange, sale and parallel buying of currency.


(( بسم الله الرحمن الرحيم ))

الحمد لله رب العالمين ، و أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، و أشهد أن سيدنا محمدًا عبده و رسوله و رحمته للعالمين ، صلى الله و سلم و بارك عليه ، و على آله و صحبه أجمعين ، أما بعد:

كلمات دالة:
فقه المعاملات، المتاجرة بالعملات، الصرف، البنوك الإسلامية.

أهمية البحث :
1-  أن القوة الاقتصادية للدول هي بلا شك من أهم أسباب النهوض بالدول و المجتمعات و الأفراد ، و حيث كان النقد المالي هو العمود الفقري للاقتصاد ، كان التلاعب به يشكل تهديدًا بالغ الخطورة على الدول و المجتمعات .
2-  أن من أبرز ما ينبغي أن يتصف به النقد هو الثبات في قيمته ، مما يسهم في استقرار الحياة الاقتصادية و الاجتماعية ، و إن الإخلال بهذه السمة من شأنه زعزعة هذا الاستقرار و إضعافه .
3- أن من أهم الوسائل و الأساليب في محاربة الدول و إنهاكها : محاربتها اقتصاديًا ، و إسقاط القيمة الشرائية لعملاتها ؛ مما يدخل هذه الدول في مشاكل التضخم و ارتفاع الأسعار ، و يعجل بانهيارها على كافة المستويات .
4- أن الشريعة الإسلامية لمّا كانت صالحة لكل زمان و مكان ، فإننا سنجد في نصوصها و أحكامها مخرجًا للأزمات ، و المشكلات الاقتصادية المعاصرة و التي من ضمنها مشكلة المضاربة و المتاجرة بالعملات .

مشكلة البحث :
1-  ما المراد بالصرف ؟ و ما هو حكمه الشرعي ؟ و ما هي الحكمة منه ؟
2-  ما المراد بالنقود ؟ و كيف نشأت ؟ و ما أبرز وظائفها ؟
3-  ما المراد بكنز النقود ؟ و ما هو حكمه الشرعي ؟
4-  ما أهم أسباب التغير في قيمة النقود ؟
5-  ما الفرق بين الصرف و المتاجرة بالعملات ؟
6-  ما مقومات عقد الصرف ؟ و ما شروطه ؟
7-  ما المقصود بالمواعدة في الصرف ؟ و ما حكمها الشرعي ؟
8-  ما الحكم الشرعي في البيع و الشراء الموازي للعملات ؟

الدراسات السابقة :
1-  أحكام النقود و استبدال العملات في الفقه الإسلامي ، تأليف : أ.د. علي أحمد السالوس.
2-  أحكام صرف النقود و العملات في الفقه الإسلامي ، تأليف : د. عباس الباز
3-  تغير قيمة النقود وتأثر ذلك بنظرية الظروف الطارئة في الفقه الإسلامي المقارن ، تأليف : د. محمد منصور .
4-  حكم تجارة العملات ، تأليف : د. عبد الرحمن الأطرم .
5-  أحكام أوراق النقود و العملات ، تأليف : د. محمد تقي العثماني .
6-  عمليات البورصة في ميزان الفقه الإسلامي ، تأليف : د. عصام أبو النصر .
7-  فقه البورصة ،  تأليف : الشيخ د.عبد الله بن الشيخ محفوظ بن بيه .
و سيضيف البحث رأياً مفاده أن المضاربة في العملات تختلف عن الصرف في الحكم و أنها تناقض وظيفة النقود كما يناقش البحث معيار المتاجرة بالعملات الصادر عن هيئة المحاسبة و المراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية.

خطة البحث :
احتوى البحث على أربعة مباحث :

·   المبحث الأول:
تعريف الصرف و مشروعيته و حكمة مشروعيته ، و فيه مطلبان  : 
المطلب الأول : تعريف الصرف
-  مشروعية عقد الصرف وحكمة مشروعيته

·   المبحث الثاني:
تعريف النقود و نشأتها و وظائفها و حكم كنزها و أهم أسباب تغير قيمتها و
الفرق بين الصرف و المتاجرة بالعملات و فيه ستة مطالب :
1-  المطلب الأول : تعريف النقود
2-  المطلب الثاني : نشأة النقود
3-  المطلب الثالث : وظائف النقود
4-  المطلب الرابع : أهم أسباب تغير قيمة النقود
5-  المطلب الخامس : كنز النقود و حكمه
6-  المطلب السادس : الفرق بين الصرف و المتاجرة بالعملات

·   المبحث الثالث:
مقومات عقد الصرف وشروطه و فيه مطلبان :
1-  المطلب الأول : مقومات عقد الصرف
2-  المطلب الثاني : شروط عقد الصرف

·  المبحث الرابع:
 المواعدة في الصرف و الشراء و البيع الموازي للعملات وفيه مطلبان :
1-  المطلب الأول : المواعدة في الصرف
2-  المطلب الثاني : البيع و الشراء الموازي للعملات


المبحث الأول: تعريف الصرف و مشروعيته و حكمة مشروعيته :

1-  المطلب الأول :
تعريف الصرف :
الصرف في اللغة: يأتي في اللغة على عدة معان منها:
ردّ الشيء عن وجهه ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم}(1) اي رجعوا عن
المكان الذي استمعوا فيه(2).
ومنها: التبديل وتحويل الشيء عن وجهه ومنه قوله تعالى: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ
الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون}(3) أي تحويلها وتبديلها.
ومنها: التقلب والحيلة ومنه قولهم: (لا يقبل له صَرْفٌ ولا عَدْل) أي لا يقبل منه حيلة ولا
فداء.
ومنها: الميل والعَدْل عن الأمر ومنه قوله تعالى: {فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا
مَصْرِفًا}(4) أي تعْدِلا.
ومنها: فضل الدرهم على الدرهم والدينار على الدينار، و المراد بالفضل الزيادة الحاصلة
في الجودة و منه سمي التطوع من العبادات صرفاً، لأنه زائد على الفريضة.
والصرف بيع الذهب بالفضة. يقال: صرفت الدراهم بالدنانير، وبين الدرهمين صَرْف اي
فضل لجودة فضة أحدهما(5).



([1]) التوبة: 127.
([2]) ابن منظور، لسان العرب 9/189 مادة صرف.
([3]) البقرة: 164.
([4]) الكهف: 53.
([5]) ابن منظور: لسان العرب 9/189-193 مادة صرف، والمعجم الوسيط 1/515 مادة صرف، والرازي: مختار الصحاح 362.

----------------

الصرف في الاصطلاح عند الفقهاء:
عرف الحنفية عقد الصرف بأنه: بيع الثمن بالثمن جنساً بجنس أو بغير جنس(1).

وعرفه المالكية بأنه: بيع الذهب بالفضة أو أحدهما بالفلوس(2).
فالمالكية جعلوا عقد الصرف خاصاً ببيع النقد بالنقد مع اختلاف الجنس، أما بيع النقد
بمثله اي, مع اتحاد الجنس كبيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة إن كان البيع بالوزن فتسمى مراطلة(3) وإن كان بالعدد فتسمى المبادلة.

وعرفه الشافعية بأنه: بيع النقد بالنقد من جنسه وغيره(4).

وعرفه الحنابلة بأنه: بيع نقد بنقد اتحد الجنس أو اختلف(5).

وجاء في الموسوعة الفقهية أن الصرف هو بيع الثمن بالثمن جنساً بجنس أو بغير جنس فيشمل بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة كما يشمل بيع الذهب بالفضة والمراد بالثمن ما خلق للثمنية فيدخل فيه بيع المصوغ بالمصوغ أو بالنقد(6).

قال الماوردي:
 إنما سمّي الصرف صرفاً لصرف حكمه عن أكثر أحكام البيع، وقيل بل سمي صرفاً لأنالشرع قد أوجب على كل واحد منهما مصارفة صاحبه أي مضايقته(7).

1-  المطلب الثاني:
مشروعية عقد الصرف وحكمة مشروعيته :
الصرف نوع من أنواع البيوع إلا أنه يختص بنوع من الأموال وهي النقود أو
الأثمان من ذهب أو فضة وله شروط خاصة نوضحها فيما سيأتي.
وقد ثبتت مشروعية عقد الصرف بالأدلة العامة الدالة على مشروعية البيوع، منها
قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}(8) وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ}(9)فالآيتان الكريمتان تدلان على مشروعية البيوع والصرف نوع منها إذا توافرت شروطه ومن الأدلة على مشروعيته من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء والفضة بالفضة إلا سواء بسواء وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم)(10). وقوله صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواءً بسواء يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)(11).

وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائباً بناجز)(12). وأخرج النسائي في سننه ومسلم في صحيحه أن أبا المنهال سأل البراء ابن عازب عن الصرف فقال له: سل زيد بن أرقم فهو أعلم قال: فسألت زيداً، فقال: سل البراء فإنه أعلم ثم قالا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الورق بالذهب ديناً(13).
فالأحاديث السابقة تدل على مشروعية الصرف.
هذا وقد أجمع العلماء على مشروعية الصرف(14).



([1]) السرخسي: المبسوط 3/14.
([2]) العدوي: الحاشية على مختصر خليل 2/135، والإمام مالك: المدونة الكبرى 6/156.
([3]) الرطل: وحدة قياس للأوزان.
([4]) الشربيني: مغني المحتاج 2/35.
([5]) البهوني: كشاف القناع: 5/1495 وابن قدامة: المغني 6/387.
([6]) وزارة الأوقاف بالكويت/ الموسوعة الفقهية 26/348.
([7]) الماوردي: الحاوي الكبير 5/146.
([8]) البقرة: 275.
([9]) النساء: 29.
([10])  البخاري: صحيح البخاري بشرح فتح الباري 4/379.
([11])  مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 11/15.
([12]) البخاري: صحيح البخاري بشرح فتح الباري 2/761.
([13]) مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 11/16 والنسائي: سنن النسائي 7/28.
([14]) النووي: شرح صحيح مسلم 11/10.


----------------


الحكمة من مشروعيته:
من قواعد الشريعة الإسلامية أنها ترفع الحرج والمشقة عن الناس وتيسر السبل المؤدية إلى تنشيط الحركة التجارية تحقيقاً لمبدأ الاستخلاف وإعمار الكون ولا شك أن الناس في حاجة ماسّة لتبادل السلع، والنقود هي من أهم هذه الوسائل كما سبق القول فكان لابد من بيع النقود بالنقود لتحقيق حاجات الناس وهذا هو الصرف، فكان مشروعاً وفق ضوابط محددة.

المبحث الثاني:
 تعريف النقود و نشأتها و وظائفها و حكم كنزها و أهم أسباب تغير قيمتها و الفرق بين الصرف و المتاجرة بالعملات :
1-  المطلب الأول :
 تعريف النقود :
النقد لغة: معنى نقد خلاف النسيئة ويأتي بمعنى الإعطاء تقول نقدته الدراهم أي أعطيته إياها(1)وبمعنى إبراز الشيء ومنه نقد الدرهم: إذا كشف عن حالة من جودة أو غير ذلك(2).
النقود في الاصطلاح:
هي كل وسيط للمبادلة يتمتع بقبول عام في الوفاء بالالتزامات(3).
وعرفها بعضهم بأنها "أي شيء يكون مقبولاً قبولاً عاماً كوسيط للتبادل ومقياس للقيمة"(4).

2-  المطلب الثاني:
 نشأة النقود :
كانت المجتمعات البشرية تعتمد المقايضة في التعامل لقضاء الحوائج، ونظراً لصعوبة هذا النظام وعدم قابلية بعض السلع للتجزئة إضافة إلى أن الناس قد يقدمون خدمة مقابل سلعة وليس سلعة مقابل سلعة مما جعل المقايضة لا تصلح للوفاء بحاجات الناس فعدل الناس عن نظام المقايضة إلى النظام النقدي وكانت النقود عند كل مجتمع حسب ما يتوفر عندهم مما هو مقبول قبولاً عاماً كالإبل عند العرب والحرير عند الصينيين والقمح عند قدماء المصريين ثم تطور استعمال النقود باستخدام المعادن كالحديد والنحاس ولما كانت هذه المعادن لا تصلح لمدة أطول تم اعتماد الذهب والفضة وأصبحا معتمدين عند معظم المجتمعات البشرية وظلاّ كذلك حتى القرن التاسع عشر حيث طغى استخدام الذهب على الفضة(5) ثم ظهرت أوراق البنكنوت التي تتمثل في تعهد مصرفي بدفع مبلغ معين من وحدات النقد القانونية لحامل الورقة عند الطلب، وبقي الذهب والفضة أثماناً وغطاء لأوراق البنكنوت التي تصدرها الدولة إلى أن تم رفع هذا الغطاء وأصبحت الأوراق النقدية تستمد قوتها من القانون لا من ذاتها(6).

ولا يعني انسحاب الذهب والفضة من سوق التداول النقدي بين الناس وحلول الأوراق النقدية مكانها عدم اعتبارهما أثماناً، فلا زال الذهب يستعمل كاحتياطي للبنوك والحكومات وكأداة لتسوية الديون الدولية، وكوسيلة لاختزان القيم، بالإضافة إلى أوجه استخدامه في الصناعة وصياغة الحلي وغيرها(7).

3-  المطلب الثالث:
 وظائف النقود :
تؤدي النقود وظائف عديدة في النظام الاقتصادي من أهمها أنها واسطة للتبادل ووحدة قياس لسائر الأموال ومستودع لقيم الأموال وأداة من أدوات السياسة النقدية وهذا بيان موجز لهذه الوظائف.



([1]) ابن منظور: لسان العرب مادة نقد، والرازي مختار الصحاح: 675.
([2]) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة ص 1006.
([3]) شافعي: محمد زكي، مقدمة في النقود والبنوك ص27.
([4]) السالوس : علي أحمد، النقود واستبدال العملات ص21.
([5]) النجار: أحمد ، المدخل إلى النظرية الاقتصادية ص127.
([6]) د. عباس الباز: أحكام صرف النقود والعملات في الفقه الإسلامي ص135-142.
([7]) شافعي: محمد زكي، مقدمة في النقود والبنوك ص38.



----------------

الوظيفة الأولى:
أن النقود واسطة للتبادل، ويرى الفكر الاقتصادي التقليدي قصر وظيفة النقود على كونها واسطة للتبادل فالنقود في نظرهم ليست سوى عربة لنقل القيم(1) ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذه الوظيفة من أهم وظائف النقود
 حيث يقول:
"والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل بها ولهذا كانت
أثماناً بخلاف سائر الأموال، فإن المقصود الانتفاع بها نفسها"(2).
وهذا ما ذهب إليه تلميذه ابن القيم حيث يقول: (فإن الدراهم والدنانير أثمان
المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال فيجب أن يكون
محدوداً مضبوطاً، لا يرتفع ولا ينخفض، فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل يقصد
التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعاً تقصد لأعيانها فسد أمر
الناس وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات) (3).

وفي هذا المعنى تحدث الغزالي عن حكمة أخرى للنقود فيقول (ولحكمة أخرى وهي
التوسل بهما إلى سائر الأشياء لأنهما عزيزان في أنفسهما، ولا غرض في
أعيانها، ونسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة، فمن ملكها فكأنه ملك كل شيء،
لا كمن ملك ثوباً فإنه لم يملك إلا الثوب فلو احتاج إلى طعام، ربما لم يرغب
صاحب الطعام في الثوب لأن غرضه في دابة مثلاً، فاحتاج إلى شيء هو في
صورته كأنه ليس بشيء وهو في معناه كأنه كل شيء، كالمرآة التي لا لون لها
وتحكي كل لون، فكذلك النقد لاغراض فيه وهو وسيلة إلى كل غرض)(4).

الوظيفة الثانية:
أنها تعتبر وحدة قياس للأموال. فمن أهم وظائف النقود أنها
وحدة قياس تقاس بها السلع والخدمات مثلها مثل وحدة قياس الأوزان والمسافات
والأطوال مثل الكيلو غرام والمتر والسنتيمتر وأي وحدة قياس ينبغي أن تتصف
بالثبات. وفي هذا الصدد يقول ابن خلدون: "إن الله تعالى خلق الحجرين المعدنيين
من الذهب والفضة قيمة لكل متمول"(5).

ويقول الغزالي: (فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما) (6).

الوظيفة الثالثة:
 أنها أداة لاختزان القيم وتعد هذه الوظيفة من أهم وظائف النقود في العصر الحديث وهذا ما ذهبت إليه المدرسة الكينزية، فالسلع يتعذر الاحتفاظ بها وتخزينها لوقت الحاجة لأن بعضها قابل للتلف وتخزينها يترتب عليه كلف باهظة بالإضافة إلى أنها قد لا تفي بالحاجات المستقبلية التي يحتاجها الإنسان لأن الحاجات متغيرة فتخزين السلع لا يحقق المطلوب ولا يفي بالحاجات المستقبلية، كما أن الخدمات لا يمكن تخزينها لأن الزمن عنصر أساسي فيها ولكن النقود تصلح للقيام بهذا الدور إذا اتصفت بالثبات فهي أداة لاختزان القوة الشرائية لاستخدامها عند الحاجة في المستقبل.

وسبق القول أن أصحاب المدرسة التقليدية يرون بأن وظيفة النقود هي كونها وسيطاً للتبادل وليست مستودعاً للقيم لأن العلاقة بين الادخار والاستثمار وثيقة بل حتمية فالادخار لا يعدو أن يكون استثماراً فكل ما لا يستهلك (مدخر) يستثمر، والاهتمام بالادخار ما هو إلا مظهر من مظاهر الاهتمام بالاستثمار(7) ويعقب على ذلك د. رفعت المحجوب بقوله: (إن هذا الترابط الحتمي الذي يقيمه التقليديون... الخ) بين الادخار والاستثمار لا يبدو مقنعاً من بعض وجوهه، فقد يقوم نوع من فك الارتباط بينهما بحيث يوجد الادخار ولا يوجد الاستثمار فيكون الادخار في هذه الحالة أشبه بالاكتناز) (8).

إن المضاربة في النقود تجعل قيمتها متذبذبة ومتغيرة مما يفقدها هذه الخاصية ويخرجها عن وظيفة من وظائفها الأساسية حيث يؤثر تغير قيمتها على قوتها الشرائية وتصبح مستودعاً غير موثوق للقيمة ولا يمكن الاطمئنان إليها في المدفوعات الآجلة، وسيؤدي هذا إلى عزوف الناس عن التعامل بها وفي هذا يقول ابن خلدون عن الذهب والفضة (وهما الذخيرة والقنية لأهل العالم في الغالب، وإن اقتني سواها في بعض الأحيان فإنما هو لقصد تحصيلهما بما يقع في غيرهما من حوالة الأسواق التي هما عنها بمعزل) (9).
الوظيفة الرابعة:
أنها أداة من أدوات السياسة النقدية، ونعني بذلك التحكم في
عرض النقد وذلك لتجنب حالات التضخم والانكماش، فمما هو معروف أن هناك
علاقة طردية بين التغير في سعر الصرف والتغير في مستوى الأسعار، فارتفاع
سعر الصرف يؤدي إلى انخفاض القيمة الخارجية للعملة مما يؤثر على مستوى
الأسعار المحلي ويؤدي إلى التضخم خاصة في الاقتصاديات النامية التي تعتمد
على الاستيراد بشكل كبير لذا فإن محاربة التضخم هو أحد الأسباب التي تدعو
الدولة للتدخل في سوق العملات للمحافظة على سعر صرف عملتها وباختصار
فإن التضخم هو الارتفاع في المستوى العام للاسعار نتيجة عدم التوازن بين
التيار النقدي والتيار السلعي(10) ويعتبر التضخم من أكبر المشكلات، التي تهز
كيان البنى الاقتصادية في المجتمعات المعاصرة ويقصد بالتضخم التغير الفاحش
أو الجامح في قيمة النقود بحيث تنخفض قوتها الشرائية في مقابل السلع
والخدمات نظراً للارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار، وهذا يعني أن
التضخم ظاهرة عامة يمتد تأثيرها إلى كل أفراد المجتمع على اختلاف بينهم في نوع
هذا التأثير قوة وضعفاً وسلباً وإيجاباً(11).

وبناء على ما سبق فإن النقود "لا يمكن أن تؤدي وظيفتها كمستودع لقيم الأشياء ووسيط للتبادل ومقياس للقيمة ومعيار للمدفوعات الآجلة إلا إذا اتصفت بالثبات النسبي في قوتها الشرائية لأن حدوث التغير في قيمتها زيادة أو نقصان سيؤدي إلى نفع المقترضين والمشترين وخسارة المقرضين والبائعين أو العكس، ففي الحالة التي تنخفض فيها القوة الشرائية للنقود (القيمة الحقيقية) خلال مدة القرض أو الصفقة التجارية المؤجلة الثمن فإن المبلغ المقترض الذي سيتم الوفاء به عندما يحين أجل القرض أو يدفع ثمناً للصفقة المؤجلة تكون قوته الشرائية أقل من تلك التي كان يمثلها عند إتمام عقد القرض أو الصفقة المؤجلة الثمن، وفي هذا نفع للمقترض والمشتري وفي الوقت نفسه خسارة للمقرض والبائع، وفي الحالة التي ترتفع فيها القوة الشرائية للنقود فإن المبلغ المقترض الذي سيتم الوفاء به أو سيدفع ثمناً للصفقة المؤجلة الثمن تكون قوته الشرائية أكبر من تلك التي كان يمثلها عند قبض المقترض له أو عندما قدرت به قيمة الصفقة المؤجلة، وفي ذلك نفع للمقرض والبائع وواضح أنه كلما تغيرت قيمة القوة الشرائية للنقود زيادة أو نقصاً أخفقت النقود في أداء وظيفتها الأساسية في الوفاء بالديون أو المدفوعات المؤجلة على نحو يرضي جميع الأطراف المتعاقدة(12).



([1]) هاشم، إسماعيل محمد، مذكرات في النقود والبنوك ص118.
([2]) ابن تيمية: مجموع الفتاوي 19/136.
([3]) ابن القيم: أعلام الموقعين 2/156.
([4]) الغزالي: إحياء علوم الدين 4/114.
([5]) ابن خلدون: المقدمة 381.
([6]) الغزالي: إحياء علوم الدين 4/114.
([7]) رفعت المحجوب: الاقتصاد السياسي ص458.
([8]) رفعت المحجوب: الاقتصاد السياسي ص470.
([9]) ابن خلدون: المقدمة ص381.
([10]) سليمان، مجدي عبد الفتاح، علاج التضخم والركود الاقتصادي في الإسلام ص37.
([11]) د. حمزة الفعر: التأصيل الشرعي للحلول المقترحة لعلاج آثار التضخم، مجلة المجمع الفقهي الإسلامي العدد 17 سنة 2004م.
([12]) د. محمد منصور: تغير قيمة النقود وتاثر ذلك بنظرية الظروف الطارئة في الفقه الإسلامي المقارن، بحث منشور في مجلة كلية العلوم التربوية، وكالة الغوث الدولية، ص147 سنة 1998م.


----------------

1-  المطلب الرابع :
 أهم أسباب تغير قيمة النقود:
من أهم أسباب تغير قيمة النقود؛
1-  سرعة تداول النقود: حيث تعمل المصارف الربوية التي تكسب إيراداتها الأساسية من الفرق بين سعر الفائدة الدائنة الذي تتقاضاه من عملائها المستثمرين وسعر الفائدة المدينة الذي تدفعه للمودعين على سرعة تداول النقود والتوسع في الائتمان، ففي فترات الرواج ترفع المصارف الربوية سعر الفائدة الدائنة ويقبل المستثمرون ذلك لأن توقعاتهم عادة ما تكون مرتفعة نظراً للكفاءة الحدية للاستثمار فتزيد المصارف من التوسع في الائتمان فيزداد العرض الكلي للنقود بمعدلات سريعة في حين لا يزداد الإنتاج الحقيقي بنفس النسبة فترتفع الأسعار وتنخفض القوة الشرائية للنقود، وعليه فإن الربا يعتبر من أكبر العوامل التي تؤثر على ثبات قيمة النقود(1).

2-  السيطرة الاحتكارية على الأسواق والمنتجات حيث تؤدي السيطرة الاحتكارية في الغالب إلى زيادة أسعار السلع عن المستوى الذي كانت ستصل إليه في أسواق المنافسة الكاملة، ففي ظل الأسواق الاحتكارية فإن المنتجين يستطيعون التحكم بالسعر مما يؤدي إلى عدم تحقيق التوزيع الأمثل للموارد الاقتصادية على مختلف الاستخدامات الممكنة(2).

3-   توسع الدول في إصدار النقود الورقية، حيث تلجأ الكثير من الدول إلى التوسع في إصدار النقود لسد العجز في ميزانياتها عند حدوث فجوة تتمثل في نقص الإيرادات الكلية التي تحصل عليها عن النفقات الكلية، فتقترض من المصرف المركزي وتدفع له سندات حكومية بالمبالغ المقترضة ويقوم البنك المركزي بإصدار نقود جديدة وتكون السندات غطاء لهذا الإصدار وهذا ما يسمى بالتمويل التضخمي أو التمويل بالعجز، ويؤدي التوسع في استخدامه إلى زيادة القوة الشرائية الكلية لدى أفراد المجتمع فيزداد الطلب وترتفع الأسعار وبالتالي تنخفض القيمة الحقيقية للنقود(3).

ذكر ابن عابدين هذا في رسالته المعروفة (بتنبيه الرقود في مسائل النقود) حيث يقول: (ثم اعلم أنه تعدد في زماننا ورود الأمر السلطاني بتغيير سعر بعض النقود الرائجة بالنقص)(4) وفي عصرنا يتمثل الأمر السلطاني في سياسة البنك المركزي فالدولة تشارك عن طريق الأوامر السلطانية (سندات الخزينة) في تغير قيمة النقود عندما تتجه إلى الإنفاق في أبواب لا تحتملها طبيعة المرحلة التي يمر بها المجتمع، أو عندما تسرف راغبة أو مجبرة في إنفاق محكوم عليه منذ البداية بالاستهلاك الذي لا يأتي بعائد(5).

4-    المضاربة في العملات: إن من أكثر العوامل التي تؤثر في تغير قيمة النقود المضاربة في العملات والتي يكون قصد المتبايعين فيها الربح من خلال ارتفاع سعر إحدى العملتين وانخفاض العملة الأخرى، حيث يسعى كل من المتبايعين لتحقيق ذلك وصولاً إلى الربح المنشود فإذن قصد المتبايعين في المضاربة متوجه ابتداء لتغيير قيمة النقود، يعزز ذلك عدم انضباط المضاربة في العملات بالضوابط الشرعية التي تحرم الربا.
إن المضارية بالعملات تخرجها عن وظيفتها الأساسية كوسيط للتبادل لتصبح سلعة تباع و تشترى و من ثم فإن هذا يؤدي إلى فساد معاملات الناس و حدوث الأزمات الإقتصادية، إن اكتناز النقود و مبادلتها بعملة أخرى بهدف تحقيق الربح من وراء فروق الأسعار يؤثر على تبادل السلع و الخدمات و يبطئ من سرعة دوران النقود مما يتسبب في حدوث الأزمات الاقتصادية الخانقة.(6)

ومما يجدر التنبيه إليه إلى أن الكثير من الفقهاء ذهبوا إلى التضييق في دائرة مبادلة العملات وليس التوسع فيها كما هو الشأن في أصل المعاملات المالية.

فالصرف عندهم إنما جاز لحاجة الناس إليه وهو جائز بشروط(7) كما سيأتي بيانها وذهب بعض المعاصرين إلى أنه ممنوع إلا بشروط(8) يقول ابن القيم: (ويَمْنَعُ المحتسبُ مِنْ جعل النقود متجراً، فإنه بذلك يدخل على الناس من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، بل الواجب أن تكون النقود رؤوس أموال يتجر بها – بحيث تكون أثماناً – ولا يتجر فيها – بحيث تكون سلعاً-(9)) ويبين ابن القيم أن اتخاذها سلعة يؤدي إلى أن يعم الضرر ويحصل الظلم بين الناس حيث يقول: (وحين اتخذت الفلوس سلعة تُعَدُّ للربح عَمَّ الضرر وحصل الظلم)(10).

ويقول ابن تيمية عن المتاجرة بالنقود: (فإن المتاجرة فيها باب عظيم من أبواب ظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل)(11) وما ذلك إلا لأن المضاربات تخرج النقود عن أداء وظائفها الأساسية التي سبق ذكرها والتي من بينها أنها وحدة قياس لسائر الأموال الأخرى لعدم اتصافها بالثبات وأنها مخزن لقيم الأموال لتغير قيمتها وعدم ثقة الناس المتعاملين بها.

5-  المطلب الخامس:
 كنز النقود و حكمه :
ومما يحسن بيانه في هذا المقام وله علاقة وطيدة ببيان حكم المضاربة في العملات هو حكم اكتناز النقود وادّخارها، لأن جانباً من جوانب المضاربة يرتكز على ادّخار بعض العملات والتربص بها قصد ارتفاع سعرها أو إغراق الأسواق بكثرة عرضها، وهذا يؤثر على وظيفة النقود من حيث عدم ثبات سعر الصرف ويفقد النقود أهم وظائفها.

الأصل في النقود أنها وسيط لتبادل الأموال وهي بمثابة الدم الذي يجري في شرايين الجسم، فإذا تجمد الدم وتوقف عن الحركة شلت الأعضاء وهكذا النقود بالنسبة إلى الحياة الاقتصادية وما كنز الأموال إلا سبب من الأسباب التي تصيب الحياة الاقتصادية بالشلل.

ويقصد بكنز الأموال عند علماء الاقتصاد المال الذي لم يخضع للاستثمار أو ذلك الجزء من قيمة الإنتاج الذي لا ينفق على الاستهلاك ولا على الاستثمار بمعنى أنه لا يتحول إلى رأس مال ولكن يحتفظ به في شكل نقدي(12).

والكنز عند الفقهاء هو كل مال لم تؤد زكاته على رأي بعضهم(13) لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما (كل ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان مدفوناً تحت الأرض، وكل ما لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً)(14).

ولحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثِّلَ له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان بطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزميته - يعني شدقيه – ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك )، ثم تلا: {لاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير}(15).

وذهب بعض العلماء إلى أن الكنز هو المجموع من النقدين ما لم تؤد منه الحقوق الواجبة فيه، وذلك أن الحقوق التي رتبها الإسلام في الأموال كثيرة ولا معنى لتخصيص الزكاة دون غيرها من الواجبات.

قال القاضي: (تخصيص هذا المنع بمنع الزكاة لا سبيل إليه، بل الواجب أن يقال: الكنز هو المال الذي ما أخرج عنه ما وجب إخراجه عنه، ولا فرق بين الزكاة وبين ما يجب من الكفارات أو بين ما يلزم من نفقة الحج أو الجمعة وبين ما يجب إخراجه في الدين والحقوق والإنفاق على الأهل أو العيال وضمان المتلفات أو أروش الجنايات فيجب في كل هذه الأقسام أن يكون داخلاً في الوعيد)(16).

ولا يفهم  مما سبق أنه يحرم ادّخار المال، فالإسلام وهو ينهى عن كنز المال ويدعو للتشغيل الكامل لرأس المال لا يحرم ادّخار المال الذي يفضل عن الحاجة، فإذا ادّخر الشخص بعض ماله فأمسك الفضل بين كسبه الطيب وبين إنفاقه القصد وقدمه لمواجهة احتمالات المستقبل أو ليوم فقره وحاجته فليس ذلك بكنز، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رحم الله امرءاً اكتسب طيباً وأنفق قصداً وقدم فضلاً ليوم فقره وحاجته"(17(18).

وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته الأضرار التي تنجم عن كنز الأموال على الاقتصاد حيث قال (إن الدولة والسلطان هي السوق الأعظم للعالم، ومنه مادة العمران، فإذا احتجز السلطان الأموال أو الجبايات أو فقدت فلم يصرفها في مصارفها قل حينئذ ما بأيدي الحاشية والحامية، وانقطع أيضاً ما كان يصل منهم لحاشيته وذويهم وقلت نفقاتهم جملة، وهم معظم السواد ونفقاتهم أكثر مادة الأسواق مما سواهم فيقع الكساد حينئذٍ في الأسواق وتضعف الأرباح في المتاجر فيقل الخراج لذلك، لأن الخراج والجباية إنما تكون من الاعتمار والمعاملات (وهي في زماننا الضريبة) ونفاق الأسواق وطلب الناس للفوائد والأرباح، ووبال ذلك عائد على الدولة بالنقص لقلة أموال السلطان حينئذٍ بقلة الخراج"(19).

ويذكر ابن خلدون نص رسالة وجهها طاهر بن الحسين إلى ابنه عبد الله لما ولاه المأمون على الرقة ومصر وما بينهما وجاء فيها (واعلم أن الأموال إذا اكتنزت وادخرت في الخزائن لا تنمو وإذا كانت في صلاح الرعية وإعطائهم حقوقهم وكف الأذية عنهم نمت وزكت وصلحت بها العامة، وترتبت بها الولاية، وطاب بها الزمان، واعتقد فيها العز والمنفعة فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله، ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم، وأوف من ذلك حصصهم، وتعهد ما يصلح أمورهم ومعاشهم)(20).



([1]) المرجع السابق ص149، وانظر اللبان، محيي ناصر، قيمة النقود ص127.
([2]) د. محمد منصور: تغير قيمة النقود ص149.
([3]) د. محمد منصور: تغير قيمة النقود، مرجع سابق ص149.
([4]) ابن عابدين: مجموعة رسائل ابن عابدين ص66.
([5]) العناني: حسن صالح، معجزة الإسلام في موقفه من الربا ص155.
[6] جهاد عبد الله حسين أبو عويمر: الترشيد الشرعي للبنوك القائمة، مطبوعات الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، 1986 ص 205.
([7]) الصديق الضرير، مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 11 سنة 1998 ص314.
([8]) د. شوقي دينا: المضاربات على العملة، ماهيتها وآثارها وسبل مواجهتها، مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 11 سنة 1998 ص 314.
([9]) ابن القيم: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص350.
([10]) ابن القيم: إعلام الموقعين 2/156.
([11]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى 29/64.
([12]) عبد العزيز، شعبان، رأس المال في المذهب الاقتصادي للإسلام ص128، والنجفي، حسن، زينة المصطلحات الاقتصادية في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ص158.
([13]) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 8/125 وابن العربي: أحكام القرآن 2/489.
([14]) رواه الحاكم في المستدرك من حديث عمرو بن العاص وقال: صحيح على شرط مسلم 2/3.
([15]) البخاري: صحيح البخاري، باب ما أدّى زكاته فليس بكنز 2/111.
([16]) الرازي: تفسير الفخر الرازي 16/44.
([17]) الحديث رواه ابن النجار في تاريخ بغداد عن عائشة رضي الله عنها، ذكر السيوطي في الجامع الصغير أنه حديث ضعيف.
([18]) د. شحاتة، شوقي، البنوك الإسلامية ص120.
([19]) ابن خلدون: المقدمة ص286.
([20]) ابن خلدون: المقدمة ص306.


----------------

1-   المطلب السادس :
 الفرق بين الصرف و المتاجرة بالعملات :
ذهب بعض الباحثين إلى التفرقة بين الصرف وبين المضاربة في العملات ذلك لأن المقصود بالمضاربة هو طلب العملة لذاتها لا لاستخدامها في سداد دين ما، أو في شراء أصل ما، وإنما لأن المشتري لها يتوقع ارتفاع أسعارها مستقبلاً فيبيعها محققاً الأرباح ويتضمن ذلك عرض العملة لهدف محدد هو تفادي الخسائر عند الاحتفاظ بها حيث يتوقع هبوط قيمتها(1).

وقد توهم الكثيرون أن الصرف والمضاربة في العملات هما شيء واحد في الحكم مع أن هدف المشتري في الصرف الحصول على العملة الأخرى لحاجته لها في حين أن هدفه في المضاربة في العملات ليس الحصول على العملة لقضاء حاجاته وإنما المضاربة على ارتفاعها وانخفاضها لتحقيق ربح، ففي الصرف يكون النقد مقصداً للمتاجرة به وفي المضاربة يكون النقد مقصداً للمتاجرة فيه.
ولما كان محل الصرف والمضاربة في العملات هو النقود فإنه يحسن أن نتعرض لبيان مفهوم النقود ووظائفها ثم نتحدث عن ضوابط التعامل بها بيعاً وشراءً، ثم بيان الآثار المترتبة على المضاربة في العملات وصولاً إلى معرفة حكم كل منها في الشريعة الإسلامية.

أهم الفروق بين الصرف والمتاجرة بالعملات:
مما سبق يمكن أن نوجز أهم الفروق بين الصرف والمضاربة فيما يلي:
1- أن الصرف يقصد لتحقيق غايات تجارية وقضاء حاجات للإنسان فهو وسيلة لا غاية وأما المضاربة في العملات فهي غاية لا وسيلة يقصد بها انتظار تقلب الأسعار وتعمل على التأثير على سعر الصرف لتحقيق الأرباح.

2- الصرف ضرورة للتجارة الدولية والسياحة في الأرض فهو يعمل على انتعاش الاقتصاد بينما المضاربة في العملات لا تعمل على الانتعاش الاقتصادي بل تلحق به أضراراً كما سبق بيانه.

3- الصرف وفق ضوابطه الشرعية لا يخل بوظائف النقود وإنما يحافظ عليها والمضاربة في العملات تهدم أهم وظائفها وهي أن تكون وحدة قياس للأموال ومستودعاً للقيم.

4- الصرف لا يؤثر على السياسة النقدية التي تمنع التضخم والانكماش بينما تعمل المضاربة على عدم الاستقرار في المنظومة الاقتصادية فتؤدي إلى التضخم أو الانكماش.

5- الصرف يمثل طلباً حقيقياً على العملات بينما المضاربة فتوجد حالة وهمية في طلب العملات.

6- الدافع إلى الصرف هو دافع اقتصادي أما المضاربة فلها دوافع أخرى غير الدافع الاقتصادي وهو الربح فقد يكون الدافع سياسياً تمارسه بعض الدول أو المؤسسات المالية الكبرى ضد دول أخرى لتحقيق أهدافها السياسية تجاه تلك الدول.

7- الصرف يتفق مع مقاصد الشارع فهو مباح والمضاربة في العملات تناقض مقاصد الشارع فهي محرمة.



([1]) د. شوقي دنيا: المضاربات على العملة ماهيتها وآثارها وسبل مواجهتها من منظور إسلامي: مجلة مجمع الفقه الإسلامي بجدة العدد 11 لسنة 1998م ص275.


----------------

المبحث الثالث :
مقومات عقد الصرف وشروطه :
1-  المطلب الأول :
 مقومات عقد الصرف :
لما كان الصرف نوعاً من أنواع البيوع فإن مقومات عقد الصرف هي مقومات عقد البيع من حيث أنها الصيغة والعاقدان ومحل العقد ويشترط فيها ما يشترط في مقومات عقد البيع إلا أن محل العقد في الصرف هو الأثمان من الذهب: والفضة والعملات الورقية والمعدنية، والذهب جنس والفضة جنس وعملة كل بلد تعتبر جنساً آخر غير عملة البلد الآخر لأنها نقود اعتبارية طبقاً لقرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي فتختلف من حيث الجنس تبعاً لجهة اعتبارها نقداً، حيث جاء في القرار (يعتبر الورق النقدي نقداً قائماً بذاته كقيام النقدية في الذهب و الفضة و غيرهما من الأثمان، كما يعتبر الورق النقدي أجناساً مختلفة تتعدد بتعدد جهات الإصدار في البلدان المختلفة، بمعنى أن الورق النقدي السعودي جنس و أن الورق النقدي الأمريكي جنس و هكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، و بذلك يجري فيها الربا بنوعيه فضلاً و نساءاً، كما يجري الربا بنوعيه في النقدين من الذهب و الفضة و في غيرهما من الأثمان). (1)
2-  المطلب الثاني : شروط عقد الصرف :
أما شروط عقد الصرف الخاصة فنوجزها فيما يلي:
الشرط الأول: التماثل عند اتحاد الجنس
فإذا بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة وجب التماثل في الوزن وإن اختلفا في الجودة فيباع الذهب من عيار 24 بالذهب من عيار 21 أو 18 مثلاً بمثل دون التفات إلى الجودة أو الصيغة فإذا زاد أحدهما عن الآخر وزناً كان ربا للأحاديث السابقة ولم يعتبر الشارع التفاوت في الجودة أو الصنعة عند بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة حتى لا يكون التفاوت فيهما ذريعة للوصول إلى الربا فهو من باب سد الذرائع، ومن أجل اعتبار التفاضل بينهما في الجودة أو الصنعة فإنه يباع الذهب بالدينار الأردني مثلاً حيث يكون للجودة والصنعة اعتبارهما ثم تجري المقاصة بينهما قبل أن يفترقا تحقيقاً لشرط التقابض في المجلس. وإذا أمكن في عصر من العصور معرفة مقدار المعادن الأخرى المختلطة بالذهب بحيث نعرف مقدار الذهب الخالص وزناً بدون المعادن فإنه يجوز بيع الذهب بالذهب غير الخالص متفاضلاً شريطة التماثل في وزن الذهب الخالص والدقة في ضبط ذلك(2).

و قد نصت المعايير الشرعية على هذا الشرط و قد نصت الفقرة ب (أن يتم التماثل في البدلين الذين هما من جنس واحد و لو كان أحدهما عملة ورقية و الآخر عملة معدنية مثل الجنيه الورقي و الجنيه المعدني للدولة نفسها)

الشرط الثاني: التقابض في المجلس      
يشترط التقابض في عقد الصرف في مجلس العقد فإذا باع ذهباً بغير جنسه كالدينار الأردني فإنه يشترط التقابض في المجلس وإذا باع الذهب بالذهب أي بجنسه فيشترط التقابض في المجلس كذلك إذا باع الدينار الأردني بالريالات السعودية فإنه يشترط التقابض في المجلس، وخلاصة الأمر أن التقابض في المجلس شرط لبيع الجنس بجنسه أو بجنس آخر وعدم تحقق هذا الشرط يؤدي إلى ربا النسيئة وهو تأخير القبض عن المجلس.

لأن عامل الزمن وهو تأخير قبض أحد العوضين عن المجلس يعتبر زيادة فيدخل الغرر على العقد وهو مفسد لعقد الصرف كما أن عدم التقابض في النقود يؤدي إلى اختلال وعدم ثبات قيمتها فيخرجها عن وظيفتها كوحدة قياس للأموال ولهذا حرمت النسيئة في بيع النقود والأثمان سواء بيعت بجنسها أو بغير جنسها وما سبق من أدلة في مشروعية الصرف يدل على وجوب الالتزام بهذا الشرط، والقبض الحكمي بمنزلة القبض الحقيقي لأن الشرع لم يحدد طريقة معينة للقبض فيرجع فيه لما تعارف عليه الناس بما يحصل من التمكن من التصرف الذي هو الغرض من القبض ويتعلق به الضمان.

و قد نصت المعايير الشرعية في الفقرة أ على هذا الشرط حيث جاء فيها (أن يتم التقابض قبل تفرق العاقدين سواءاً أكان القبض حقيقياً أم حكمياً).

ويجوز التوكيل بمبادلة العملات إلا أنه لما كان القبض شرطاً في الصرف عقب التعاقد فإن المعتبر هو قبض العاقد سواء كان أصيلاً أو وكيلاً وعليه فلا يجوز التوكيل بالقبض فقط إذا لم يكن الوكيل هو العاقد لأن المعتبر هو قبض العاقدين قبل الافتراق(3).

صور القبض:
ويتحقق القبض الحقيقي بالمناولة بالأيدي، ويتحقق القبض الحكمي اعتباراً وحكماً بالتخلية مع التمكين من التصرف ولو لم يوجد القبض حساً ومن صور القبض الحكمي المعتبرة شرعاً:
‌أ-  القيد المصرفي في حساب العميل، فإذا اشترى العميل من المصرف الريالات بالدينار الأردني وتم قيدها في حسابه فإنه يعتبر قبضاً لها، وكذلك إذا اقتطع المصرف من حساب العميل مبلغاً من المال بأمره ليضمه إلى حسابه بعملة أخرى أو لحساب عميل آخر بعملة أخرى وتم تسجيل ذلك في حسابهما فإنه يعتبر قبضاً حكمياً.

ولما كان القيد في حساب عميل آخر قد يستغرق وقتاً زائداً عن مجلس العقد ليمكنه من التصرف بالمال الذي تم تسجيله في حسابه فإن هذه المدة الزمنية الزائدة عن مجلس العقد تغتفر ولا يعتبر التأخير بسببها تأخيراً للقبض عن المجلس مفسداً للعقد شريطة أن لا تزيد عن المدة المتعارف عليها في أسواق التعامل، وفي هذه الحال لا يجوز للطرف الآخر أن يتصرف في العملة قبل أن يحصل أثر القيد المصرفي الذي يحصل به التسليم الفعلي(4).

‌ب-ومن صور القبض الحكمي: تسليم الشيك إذا كان له رصيد قابل للسحب بالعملة المكتوب بها عند استيفائه وتم حجز المؤسسة له.

‌ج- ومن صوره أيضاً تسلم البائع قسيمة الدفع الموقعة من حامل بطاقة الائتمان (المشتري) في الحالة التي تدفع فيها المؤسسة المصدرة للبطاقة المبلغ إلى قابل البطاقة بدون أجل(5).
ويشترط خلو عقد الصرف عن خيار الشرط ولما كان القبض في مجلس العقد شرطاً من شروط صحة عقد الصرف فإن شرط الخيار يمنع تحقيق هذا الشرط. أما خيار العيب فلا يمنع صحة عقد الصرف لأن الصرف ينعقد على مثل النقود لا على عينها(6).
ولما كان الأجل في قبض أحد العوضين في الصرف يمنع من تحقيق شرط التقابض فيكون العقد فاسداً.
و قد نصت المعايير الشرعية على هذا الشرط في الفقرة ج حيث جاء فيها (أن لا يشتمل العقد على خيار الشرط أو أجل تسليم أحد البدلين أو كليهما).

الشرط الثالث: أن لا يكون المقصود ببيع العملات (الصرف) الاحتكار أو إلحاق ضرر بالأفراد أو المجتمعات
وقد سبقت الإشارة إلى هذا عند الحديث عن وظيفة النقود حيث قد تجعل بعض الدول أو المؤسسات الكبرى الغرض من بيع العملات تحقيق أغراض سياسية أو إلحاق ضرر بها، وضبطاً لهذا الأمر فقد رأى بعض المعاصرين أن الأصل في الصرف هو المنع إلا بشروط(7).
و قد نصت المعايير الشرعية على هذا الشرط في الفقرة د حيث جاء فيها (أن لا تكون عملية المتاجرة بالعملات بقصد الإحتكار أو بما يترتب عليه ضرر بالأفراد أو المجتمعات).

الشرط الرابع: أن لا يكون التعامل بالعملات في السوق الآجلة
وعليه فإنه يحرم التعامل في سوق الصرف الآجل سواء أتم بتبادل حوالات آجلة أم بإبرام عقود مؤجلة لا يتحقق فيها قبض البدلين كليهما.
و قد نصت المعايير الشرعية في الفقرة ه على هذا الشرط حيث جاء فيها (أن لا يكون التعامل بالعملات في السوق الآجلة).
ويحرم الصرف الآجل أيضاً ولو كان لتوقي انخفاض ربح العملية التي تتم بعملة يتوقع انخفاض قيمتها.

ويجوز للمؤسسة لتوقي انخفاض العملة في المستقبل اللجوء إلى ما يأتي:
‌أ- إجراء قروض متبادلة بعملات مختلفة بدون أخذ فائدة أو إعطائها شريطة عدم الربط بين القرضين.
‌ب-شراء بضائع أو إبرام عمليات مرابحة بنفس العملة.
‌ج- كما يجوز للمؤسسة أن تتفق مع العميل على سداد أقساط العمليات المؤجلة (مثل أقساط المرابحة) بعملة أخرى شريطة أن يكون الاتفاق مع العميل على ذلك يوم الوفاء أي استحقاق الأقساط وأن يتم الاتفاق على سعر العملة يوم الوفاء كذلك(8).

و تأسيساً على هذا فإن الديون تؤدى بأمثالها قدراً و صفة بسعر يوم الرد بصرف النظر عما يطرأ على سعر الصرف من رخص أو غلاء فمن اقترض دنانير أردنية و أراد أن يردها بالدولار فإنه يردها بسعر يوم سداد الدين سواءاً زاد سعر الصرف أو نقص.
أما إذا كسدت عملة الدين أو انهارت قوتها الشرائية بصورة غير متوقعة لأمر طارئ، أو زالت عنها صفة الثمنية بإبطال الدولة التي أصدرتها لها، فإن للفقهاء في المسألة عدة آراء ليس هذا هو محل بحثها و لكن العدالة تقتضي أن يرد المدين الدين بقيمة العملة الكاسدة وقت إعطائها أو يوم إبرام عقد البيع الذي أثبت ثمن المبيع ديناً في ذمته، لأن في ذلك رفعاً للظلم عن المتعاقدين بأمر لم يتسببا في إيجاده، و لم يكن في الوسع توقعه أو دفعه.(9)
و هذا ما أخذ به مجمع الفقه الإسلامي الدولي في مؤتمره الخامس المنعقد في الكويت سنة 1988، و هو ما نصت عليه المعايير الشرعية في الفقرة السابعة.



[1] رابطة العالم الإسلامي، قرارات مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة، القرار السادس ص 100.
([2]) وضح لي بعض الثقات من الذين يعملون في صياغة الذهب وجود موازين يمكن بها معرفة الذهب الخالص بنسبة 100% في سويسرا وبعض البلاد التي يتعاملون معها فيها بالذهب بيعاً وشراءاً.
([3]) المعايير الشرعية. المتاجرة بالعملات 2/7.
([4]) المعايير الشرعية: المتاجرة بالعملات 2/6/5.
([5]) المعايير الشرعية: المتاجرة بالعملات 2/6/5.
([6]) ابن نجيم: البحر الرائق 6/209.
([7]) المعايير الشرعية: المتاجرة بالعملات 2/1.
([8]) المعايير الشرعية: المتاجرة بالعملات المعيار رقم 2/2-5.
[9] د. محمد خالد منصور: أبحاث معاصرة في الفقه الإسلامي و أصوله، دار عمار للنشر و التوزيع، ط1، 2006، ص 157.


----------------

المبحث الرابع:
 المواعدة في الصرف و الشراء و البيع الموازي للعملات :

1-  المطلب الأول :
 المواعدة في الصرف :
نصت المعايير الشرعية في المعيار 2/9 على جواز المواعدة في الصرف شريطة أن لا يقترن بالوعد ما يدل على أنه عقد، بمعنى أن لا تكون المواعدة ملزمة للطرفين المتواعدين، حيث جاء في هذا المعيار:
أ‌- تحرم المواعدة في المتاجرة بالعملات إذا كانت ملزمة للطرفين و لو كان ذلك لمعالجة مخاطر هبوط العملة، أما الوعد من طرف واحد فيجوز و لو كان ملزماً.
و يظهر أثر المواعدة الملزمة لطرف واحد في تحمله عند نكوله عن الوفاء بالوعد الملزم تعويض الطرف الآخر عن الضرر الفعلي اللاحق به نتيجة النكول و ينحصر حق المتضرر في اقتطاع الفرق بين سعر السوق في تاريخ العقد و السعر المنصوص عليه في الوعد، و ذلك إذا دخل الموعود فعلاً في تكلفةٍ بناءً على الوعد و اشترى العملة الموعود بشرائها منه لأنه إذا رفض الطرف الآخر تنفيذ مقتضى وعده بالشراء سيضطر إلى بيعها في السوق و شراء العملة المحلية بسعر السوق، فإذا كان سعر السوق أعلى من سعر الوعد لزم الطرف الناكل بوعده تعويضه الفرق). و ما ذهبت إليه المعايير الشرعية من جواز المواعدة الملزمة من طرف واحد جائز شرعاً لأن المواعدة من طرف واحد ليست عقداً و لأن التعويض عن الضرر الفعلي المترتب على هذا الوعد من المبادئ المقررة شرعاً.
أما المواعدة الملزمة من الطرفين فهي في معنى العقد و العبرة في العقود بالمعاني لا بالألفاظ و المباني و عليه فإنها لا تكون جائزة من الناحية الشرعية لعدم تحقق شرط التقابض في مجلس العقد و الذي سبقت الإشارة إليه.

2-  المطلب الثاني :
 البيع و الشراء الموازي للعملات :
نصت الفقرة ب من المعيار المشار إليه على (أنه لا يجوز ما يسمى في المجالات المصرفية "الشراء و البيع الموازي للعملات" و ذلك لوجود أحد أسباب الفساد الآتية:
1-  عدم تسليم و تسلم العملتين "المشتراة و المبيعة" فيكون حينئذ من بيع العملة بالآجل.
2-  إشتراط عقد صرف في عقد صرف آخر.
3-  المواعدة الملزمة لطرفي عقد الصرف.
و المراد من هذا المصطلح "الشراء و البيع الموازي للعملات": إجراء عمليات مبادلة مؤقتة بين عملتين في السوق الحاضرة و إجراء عمليات متزامنة في الوقت نفسه في السوق الآجلة لبيع العملة التي سبق شراؤها بسعر يتفق عليه الآن.
أو يراد به شراء العملة التي سبق بيعها في السوق الحاضرة مع تحديد السعر للعملة الآجلة وفقاً للسعر النقدي السائد، فيما يحدد سعر العملة الآجلة في التطبيق التقليدي وفقاً لظروف سعر الفائدة بين العملتين موضوع المقايضة، و عند موعد الاستحقاق يسترد كل فريق عملته بالسعر المحدد عند إجراء العملية. (1)
و لا شك أن هذه العملية غير جائزة شرعاً وفق شروط الصرف التي سبق بيانها.



[1] المعايير الشرعية، ص 12.


----------------


قائمة مراجع البحث
1- أنيس، إبراهيم و آخرون ، المعجم الوسيط ، إصدار مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، ط2 المكتبة الإسلامية.
2- البخاري،  محمد بن إسماعيل ، الجامع الصحيح ، تحقيق
محمد زهير بن ناصر الناصر ، دار طوق النجاة ، جدة – السعودية ، الطبعة الأولى ، 1422هـ .
3- البهوتي ، منصور بن يونس ، كشاف القناع عن متن الإقناع ، تحقيق محمد أمين الضناوي، ط1، دار عالم الكتب ،1417هـ/1997م،  بيروت – لبنان،.
4- ابن تيمية، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى ، تحقيق عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، ط1،
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، 1416هـ/1995م،  المدينة النبوية - المملكة العربية السعودية.
5-
جهاد عبد الله حسين، أبو عويمر، الترشيد الشرعي للبنوك القائمة ،  مطبوعات الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية ، 1986م .
6- الحاكم ، محمد بن عبد الله ، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ط1، دار الكتب العلمية،  1411 هـ - 1990م، بيروت.
7- ابن حجر، أحمد بن علي، فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، ترقيم محمد فؤاد عبدالباقي ، إخراج و تصحيح محب الدين الخطيب ، تعليق عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز ، دار المعرفة، 1379هـ ، بيروت – لبنان.
8- حمزة، الفعر، التأصيل الشرعي للحلول المقترحة لعلاج آثار التضخم ، مجلة المجمع الفقهي الإسلامي العدد 17 سنة 2004م .
9- ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، المقدمة، تحقيق علي عبد الوافي،  دار نهضة مصر للطباعة و النشر، القاهرة – مصر .
10- رابطة العالم الإسلامي
، قرارات مجمع الفقه الإسلامي ، مكة المكرمة – السعودية .
11- الرازي، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة ، تحقيق عبد السلام هارون ، دار الفكر،
1399هـ - 1979م .
12- الرازي، محمد بن أبي بكر ، مختار الصحاح ، تحقيق عصام الحرستاني ، ط9، دار عمار، 1425هـ/2005م، عمان – الأردن.
13- الرازي ، محمد بن عمر، التفسير الكبير المسمى بمفاتيح الغيب، ط3، دار إحياء التراث العربي ،1420 هـ، بيروت – لبنان.
14- رفعت، المحجوب، الاقتصاد السياسي .
15- السالوس، علي أحمد ،
أحكام النقود و استبدال العملات في الفقه الإسلامي .
16- السرخسي، محمد بن أحمد ، المبسوط ، دار المعرفة، 1414هـ/1993م،  بيروت – لبنان.
17-
سليمان، مجدي عبد الفتاح ، علاج التضخم والركود الاقتصادي في الإسلام .
18 – السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، الجامع الصغير ، و معه شرحه التيسير للمناوي ، ط3، مكتبة الإمام الشافعي،1408هـ - 1988م، الرياض – السعودية.
19-
شافعي، محمد زكي، مقدمة في النقود والبنوك .
20- شحاتة، شوقي، البنوك الإسلامية .
21- الشربيني، محمد بن أحمد شمس الدين الخطيب، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، تحقيق علي معوض و عادل عبد الموجود، ط1، دار الكتب العلمية، 1415هـ - 1994م.
22-
شوقي، دنيا، المضاربات على العملة ماهيتها وآثارها وسبل مواجهتها من منظور إسلامي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، جدة – السعودية، العدد 11، 1998م .
23-
الضرير، الصديق ، مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 11 سنة 1998 .
24- ابن عابدين ، محمد أمين أفندي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت – لبنان .
25- عباس، الباز،
أحكام صرف النقود و العملات في الفقه الإسلامي، دار النفائس، عمان – الأردن .
26-
عبد العزيز، شعبان ، رأس المال في المذهب الاقتصادي للإسلام .
27- العدوي ، علي بن أحمد ، حاشية العدوي على شرح مختصر خليل للخرشي ، مطبعة محمد أفندي مصطفى، 1306ه، القاهرة – مصر.
28- ابن العربي المالكي، أحكام القرآن، تحقيق محمد عبدالقادر عطا، ط3، دار الكتب العلمية، 1424 هـ - 2003 م، بيروت – لبنان.
29-
العناني، حسن صالح، معجزة الإسلام في موقفه من الربا.
30- الغزالي، أبو حامد محمد بن أحمد، إحياء علوم الدين، دار المعرفة ، بيروت – لبنان.
31- ابن قدامة، محمد بن عبد الله، المغني شرح مختصر الخرقي، مكتبة القاهرة، 1388هـ - 1968م  القاهرة – مصر.
32- القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن ، تحقيق أحمد البردوني و إبراهيم أطفيش ، ط2، دار الكتب المصرية، 1384هـ - 1964 م، القاهرة – مصر.
33- ابن القيم، محمد بن أبي بكر، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق محمد عبدالسلام إبراهيم، ط1،  دار الكتب العلمية، 1411هـ - 1991م، بيروت – لبنان.
34- ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، دار البيان ، دمشق – سورية.
35- مالك، ابن أنس، المدونة الكبرى ، رواية تلميذه سحنون، ط1، دار الكتب العلمية،1415هـ - 1994م، بيروت – لبنان.
36- الماوردي، علي بن محمد، الحاوي الكبير، تحقيق علي معوض و عادل عبدالموجود، ط1، دار الكتب العلمية، 1419 هـ - 1999 م، بيروت – لبنان.
37- منصور، محمد خالد، أبحاث معاصرة في الفقه الإسلامي و أصوله ، ط1، دار عمار للنشر و التوزيع، 2006، عمان – الأردن.
38-
منصور، محمد خالد، تغير قيمة النقود وتاثر ذلك بنظرية الظروف الطارئة في الفقه الإسلامي المقارن ، بحث منشور في مجلة كلية العلوم التربوية ، وكالة الغوث الدولية، 1998م.
39- ابن منظور ، جمال الدين محمد بن مكرم ، ط3، دار صادر، 1414 هـ، بيروت – لبنان.
40-
النجار، أحمد، المدخل إلى النظرية الاقتصادية .
41-
النجفي، حسن، زينة المصطلحات الاقتصادية في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.
42- ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم بن محمد، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ط2، دار الكتاب الإسلامي.
43- النسائي، أحمد بن شعيب، السنن الصغرى ( المجتبى )، تحقيق عبدالفتاح أبو غدة، ط2، مكتب المطبوعات الإسلامية، 1406 – 1986، حلب – سورية.
44- النووي، يحيى بن شرف، شرح النووي على صحيح مسلم، ط2، دار إحياء التراث العربي، 1392ه، بيروت – لبنان.
45-
هاشم، إسماعيل محمد، مذكرات في النقود والبنوك .
46- وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية بالكويت، الموسوعة الفقهية الكويتية، 1404 هـ - 1427 هـ.